متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
تأصيل و تجذير سنة الخليفتين
الكتاب : أين سنة الرسول و ماذا فعلوا بها ؟    |    القسم : مكتبة المُستبصرين

تأصيل وتجذير سنة الخليفتين

رأينا أنه على من يتولى الخلافة أن يلتزم صرامة بالعمل بسنة أبي بكر وعمر ، ومن لا يلتزم بذلك فليس له أن يتولى الخلافة ! ! ولم يكن لفكرة الالتزام بسنة أبي بكر وعمر أي سند أو تأصيل شرعي ، فلم يرد لا بالقرآن ولا بالسنة بأن الالتزام بسنة أبي بكر وعمر من شروط تولي الخلافة ! !

فخلافة أبي بكر وعمر جاءت بعد كمال الدين وتمام النعمة ، ولم تكن هنا لك ضرورة لتذكر سنة أبي بكر وعمر مع كتاب الله وسنة رسوله ، لأن كتاب الله وسنة رسوله يغنيا عن ذكر سنة أبي بكر وعمر إلا إذا كانت سنة أبي بكر وعمر تتضمنان ما يختلف عن كتاب الله وسنة رسوله ، أو في سنة الخليفتين قواعد ومبادئ وأصول ليست موجودة في كتاب الله أو سنة رسوله فبهذه الحالة يغدو ضروريا أن يلتزم الخليفة الجديد ، بكتاب الله وسنة رسوله وسنة أو سيرة أبي بكر وعمر ! ! !

ولكن على أي أساس ، وبأي سند صارت سيرة أو سنة أبي بكر وعمر تقرأ وتقرن وتنفذ على حد سواء مع كتاب الله وسنة رسوله ؟ ! ! هل لذلك سند في القرآن الكريم أو السنة المطهرة ! ! !

في الحقيقة أنه لم يكن هنا لك في الأصل أي سند أو أساس لهذا الربط لا في القرآن ولا في سنة الرسول

- ص 329 -

ولا في المنطق ! ! !

والسند الوحيد لذلك كان هو التأييد الشعبي ، فلقد نجح الخليفتان بتكوين جبهة عريضة حولهما تتكون من بطون قريش ومن والاها ، وهم أعداء الله السابقين ، ومن المنافقين ، ومن المرتزقة من الأعراب ومن كل الطامعين بمطامع الدنيا المختلفة ، فتولى المنافقون وأعداء الله السابقين كافة مناصب الدولة ، واحتكروا كل نفوذها حتى صار الخليفة نفسه ليس أكثر من رمز لوحدة الأمة السياسية أما السلطات الفعلية فقد كانت بيد أعداء الله السابقين وبيد المنافقين وسندا لهذا الجبهة العريضة ، فقد تمكن الخليفتان ، من إذلال الإمام الشرعي وأهل بيت النبوة ومن والاهم من القلة المؤمنة وعزلهم عزلا تاما عن بقية المسلمين وأغرت السلطة من بقي على موالاته لأهل البيت ، فمن يعلن تركه لولاية الإمام الشرعي وأهل بيت النبوة كانت الدولة تفتح قلبها له ، وتعطيه حتى ترضيه ! !

وبما أن الإمام الشرعي وأهل بيت النبوة والقلة المؤمنة هم الذين نكلوا بأعداء الله السابقين وبما أن قادة الشرك وأعداء الله السابقين هم الذين تسلموا مقاليد الدولة في زمن الخليفتين ، فقد شعروا أن الدولة قد صارت دولتهم ، وأن أعداءهم السابقين قد أذلوا وعزلوا ، وأن ذلك ما كان إلا بفضل ابني البطون البارين أبي بكر وعمر ، لذلك أحبوا الخليفتين حبا يرقى إلى مستوى التقديس ، لقد حقق الخليفتان لزعامة بطون قريش سلميا ما عجزت تلك الزعامة عن تحقيقه بمقاومة وحرب دامت 23 عاما ، ثم إن المنافقين قد رقصوا طربا لأنهم قد اعتقدوا - خطأ أو صوابا - بأن الخليفتين قد فرغا الإسلام من مضامينه الحقيقية ولم يبقيا منه غير القشور ، وأنهما قد أذلا الإمام عليا وأهل بيت النبوة ومن بقوا على التزامهم بالولاء الحقيقي لله ولرسوله لذلك فاق التأييد والإسناد الشعبي للخليفتين كل حدود التصور والتصديق ، وفي الوقت نفسه فإن الخليفتين قد حرصا على أن يعللا كل قراراتهما تعليلا إسلاميا أو أن يغلفاها بغلاف إسلامي ، لإيمانهما بأن الإسلام ضروري لتوسع الملك ، وضروري للمحافظة على الملك ، وضروري لضبط الملك .

فعندما صد

- ص 330 -

عمر رسول الله عن كتابة وصيته وتوجيهاته النهائية برر فعله ذلك بالقول " حسبنا كتاب الله " وعندما أحرق الخليفة الأول سنة الرسول التي سمعها بأذنيه من الرسول وكتبها بيده وعندما أمر المسلمين بأن لا يحدثوا شيئا عن رسول الله برر ذلك بقوله " قولوا لمن يسأل عن شئ بيننا وبينكم كتاب الله " وعندما أحرق عمر سنة الرسول المكتوبة ، ومنع الرواية عن رسول الله ، برر ذلك ، بأنه يكره أن يكون هنالك كتاب مع كتاب الله ! !

ثم إن الخليفتين قد أثبتا بأنهما رجلا دولة من الطراز الأول فقد كان لديهما التصميم الكامل على سحق كل من يعترض طريقهما ! ! مهما كانت مكانته ، فلم يترددا ولو للحظة واحدة بحرق بيت فاطمة بنت رسول الله على من فيه في اليوم الثاني لوفاة أبيها رسول الله ، وفيه الإمام علي ، وابنا رسول الله الحسن والحسين وسادة بني هاشم ، وكبار رجالات القلة المؤمنة الذين جاؤوا لتقديم العزاء ولو لم يخرجوا من البيت لتم حرقهم وهم أحياء ! !

هذا التعميم ، قد أسر قلوب أعداء الله السابقين والمنافقين والمرتزقة من الأعراب والطامعين بمتع الدنيا ، فأعطوا جميعا للخليفتين كل الحب والولاء ، واخترعوا لهما من المناقب والفضائل ما لا علم للخليفتين به ! ! ولو بعثا حيين من جديد لما صدقا شيئا من تلك الاختراعات ، والخلاصة أن السند والأساس الوحيد لقرن سنة أبي بكر وعمر مع كتاب الله وسنة رسوله ، هو التأييد الشعبي الجارف للخليفتين .

وإنصافا للخليفتين فإنهما لم يأمرا أتباعهما بأن يقرنوا سنتيهما مع كتاب الله وسنة رسوله ، فهما أعقل من ذلك ! !

كان اهتمام الخليفتين منصبا على أن يتولى الخلافة من بعدهما رجال يلتزمون بسياستهما المعارضة لرئاسة أهل بيت البنوة لحكمة آمن بها الخليفتان وهي " عدم تمكين آل محمد من أن يجمعوا مع النبوة الملك " بل يجب أن تكون النبوة لبني هاشم ، والخلافة لبطون قريش تتداولها في ما بينها ، وفي ما بعد لم ير الخلفاء بأسا لو خرجت الخلافة من قريش إلى الأنصار أو العرب أو

- ص 331 -

الموالي ، ولكن لا ينبغي أن يتولاها رجل من بني هاشم ، فأي شخص يلتزم بهذه السياسة مؤهل لتولي الخلافة ولا اعتراض للخليفتين عليه ! ! حقيقة أن هذه السياسة تمخضت عن مجموعة من القواعد والمبادئ التي استقرت وفرضت نفسها واقعيا بحكم التطبيق العملي لها .

ولعل هذا ما عناه عمر بقوله " أيها الناس قد سنت لكم السنن وفرضت لكم الفرائض ، وتركتم على الواضحة ليلها كنهارها وصفق إحدى يديه على الأخرى وقال لا تضلوا بالناس يمينا وشمالا . . . " ( 1 ) .

فإذا أخذنا بعين الاعتبار أن عمر قد قال هذا الكلام بعد أن كره الحياة ، ورغب بالموت ، لا يخالجنا أدنى الشك بأنه يقصد بالسنن والفرائض تلك القواعد التي وضعها " انظر إلى قوله " سنت ، وفرضت ، وتركتم " فهو لم يبين من هو الذي سن السنن ولا من فرض الفرائض ولا من ترك على الواضحة " إنما بنيت الأفعال للمجهول ، فمن غير الوارد أن يقصد بالسنة سنة الرسول فموقفه منها معروف وهي مرفوعة عمليا من واقع الحياة ، ولو قصد سنة الرسول لصرح بذلك ، ولو قصد بالفرائض " التي فرضها الله ورسوله لصرح بذلك أيضا ولما بني الفعل على المجهول ، ولو قصد بأن الرسول قد ترك الناس كما قال على الواضحة ليلها كنهارها لما بني للمجهول أيضا ، ولما كان هنالك معنى لقوله " إلا أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا " ، فالسنن والفرائض والواضحة هي سنن عمر وفرائضه وواضحته التي ترك الناس عليها ، لأن عمر لم يلتزم بسنن وفرائض وواضحة الرسول ، فلم يقبل ترتيبا ترك الرسول المتعلقة بمن يخلفه ، ولا سمح للرسول بكتابة وصيته وتوجيهاته النهائية وقد أحرق سنة الرسول المكتوبة ومنع وصاحبه المسلمين أن يحدثوا شيئا عن رسول الله ، فمن غير الممكن أن

 

( 1 ) جامع الأصول من أحاديث الرسول لابن الأثير ج 1 ص 489 دار إحياء التراث العربي . ( * )

 
 

- ص 332 -

يقصد بالسنن والفرائض سنن الرسول وفرائضه ، أو أن يقصد بالواضحة واضحة الرسول التي ترك الناس عليها ، ولكنه من قبيل التواضع ومراعاة لمشاعر المسلمين بنى الأفعال للمجهول ، مع أنه يعني نفسه ! يمكنه أن يقول على منبر رسول الله : ثلاث كن على عهد رسول الله وأنا أنهى عنهن وأعاقب عليهن . . . كما وثقنا ، ولكنه لم يكن يسمى نهيه ومعاقبته سنة ، ولا كان أبو بكر يفعل ذلك ، كانا يضعان القواعد ويسميها الناس بالتسمية التي يريدون ! ! !

والخلاصة أن أتباع الخليفتين وأولياءهما هم الذين قرنوا سيرة أبي بكر وعمر أو سنتهما بكتاب الله وسنة رسوله ! ! عمر بن الخطاب لم يكلف عبد الرحمن بن عوف بأن يأخذ ممن يرشحه للخلافة عهد الله بأن يلتزم بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة أبي بكر وعمر ، لم يتحدث أي راو عن مثل هذا التكليف ! ! لقد كان الخليفة من بعد عمر معروفا للجميع بأنه عثمان حتى قبل أن يطعن عمر فقد كان يعرف بالرديف ، وقد أسر عمر لسعيد بن العاص بأن الخليفة من بعده سيكون عثمان " ( 1 )

ولكن الشورى ديكور مثل قول عمر " حسبنا كتاب الله " والقصد الآخر هو تكثير الذين ينافسون عليا فيكون علي واحد من ستة ، وقد يموت قبل أن يتولى الخلافة ، وعلى المدى البعيد سيتنافس مع أولاد علي أولاد الخمسة وهكذا سيضمن عمر بأن أحدا من أهل بيت النبوة لن يترأس على الأمة أبدا .

وما يعنينا أن مسألة من يخلف عمر محسومة ، فالعامة والخاصة يعرفون بأنه عثمان ولكن المطروح من يخلف عثمان ! ! أراد عبد الرحمن بن عوف أن يستغل موضوع الشورى لصالحه ولأنه يعلم أن

 

( 1 ) الطبقات لابن سعد ط أوروبا ج 5 ص 30 - 31  . ( * )

 
 

- ص 333 -

عثمان هو الخليفة ، فقد أراد أن يكون هو الخليفة الرابع ، لذلك اخترع فكرة أن يلتزم المرشح بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة أبي بكر وعمر ، وهو يعرف أن عليا لن يلتزم بذلك لأن عليا يعتقد أن الالتزام بالقرآن وسنة الرسول يكفي ، ولأن عليا مؤمن بأنه أولى بالخلافة من أبي بكر وعمر ، وأنه أعلى منهما ، وكان الواجب أن يتبعاه وليس العكس ، وبالتالي فإن عليا لن يقبل هذا الشرط الذي اخترعه عبد الرحمن ، وسيصب رفض علي في خانة عثمان وفي خانة تمثيلية الشورى فيرضي عثمان ، ويرضى أولياء الخليفتين أنظر إلى قول الإمام علي لعبد الرحمن عندما بايع عبد الرحمن عثمان " حبوته حبو دهر ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا ، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون والله ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر إليك ، والله كل يوم في شأن " ( 1 )

ثم إن عبد الرحمن بن عوف من المؤيدين البارزين لسياسة أبي بكر وعمر ، ومن المعارضين الأشداء لأهل بيت النبوة عامة وللإمام علي خاصة ففي اليوم الثاني لوفاة رسول الله شرع مع عمر بحرق بيت فاطمة بنت رسول الله وكان له دور بارز في تثبيت خلافة أبي بكر وعمر ! ! فلو كان عثمان ميتا لوقع اختيار عمر وأبي بكر على عبد الرحمن ، لأنه من الملتزمين بالكامل بسياسة الخليفتين ، ومن المؤيدين لها .

وعبد الرحمن أراد أن يؤكد هذه الحقيقة ، وأن يصطنع له يدا عندما أبرز ولأول مرة " سيرة أبي بكر وعمر " وقرنهما جنبا إلى جنب مع كتاب الله وسنة رسوله ! ! ومن ذلك التاريخ " تروضت " أسماع المسلمين على سماع هذا المصطلح ، ولم يروا غضاضة ولا جرحا إن أطلقوا على سيرة الخليفتين مصطلح " سنة أبي بكر وعمر " ولم يروا ما يمنع من ربط سنة الخليفتين مع كتاب الله وسنة رسوله ! !

 

( 1 ) تاريخ الطبري ج 3 ص 297 ، وتاريخ ابن الأثير ج 3 ص 37 ، والعقد الفريد ج 3 ص 76 ، ومعالم المدرستين ج 1 ص 141  . ( * )


 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net