معاوية يفصح ضمنا عن الغاية من منع رواية وكتابة سنة الرسول
التزم معاوية بالموقف الذي اتخذه الخلفاء الثلاثة من سنة الرسول ، وأفصح ضمنا عن الغاية التي ابتغوها من وراء منع رواية وكتابة سنة رسول الله ، والاعتماد على القرآن والقرآن وحده ، فقد أصدر معاوية مرسوما عممه على كافة عماله على كافة الأقاليم الخاضعة لحكمه هذا نصه : " أن برئت الذمة ممن روى شيئا في فضل أبي تراب وأهل بيته " ( 3 )
فهذه هي الحكمة التي ابتغاها الخلفاء من منعهم لرواية وكتابة سنة الرسول ومن إحراقهم للمكتوب منها ! ! ! لأنهم إن فتحوا أبواب رواية السنة النبوية ، وأعطوا المسلمين الحرية بروايتها فسيكتشف المسلمون بأن رسول الله قد عين الإمام عليا خليفة من بعده كما سمى أحد عشر خليفة يتعاقبون على الخلافة من بعد علي كلهم من ذرية النبي ومن صلب علي كما وثقنا ، وسيكتشف المسلمون بأن الخلفاء قد غصبوا ما ليس لهم ، وحالوا بين أهل بيت النبوة وبين حقهم الشرعي برئاسة الأمة الإسلامية ، وعندما يكتشف
|
( 1 ) صحيح مسلم ج 2 ص 718 كتاب الزكاة باب النهي عن المسألة . ( 2 ) سير أعلام النبلاء ج 4 ص 77 . ( 3 ) شرح النهج ج 3 ص 595 - 596 تحقيق حسن تميم . ( * ) |
| |
المسلمون ذلك ففي وقت يطول أو يقصر سيعيدون الحق لأصحابه الشرعيين ، وسيعاقبون الغاصبين ! ! هذا هو السر في منع كتابة ورواية سنة الرسول وإحراق المكتوب منها ، وأما شعار حسبنا كتاب الله ، أو بيننا وبينكم كتاب الله ! ! أو لا كتاب مع كتاب الله فليس إلا ستارا ومبررا فضفاضا ليس إلا ! ! ! ومع أن معاوية سار على منهج الخلفاء الثلاثة الذين وطدوا له إلا أنه قد ركز تركيزا خاصا على " المفصل " أو السبب الرئيسي من المنع " وهو الحيلولة بين المسلمين وبين معرفة فضل أبي تراب وأهل بيت النبوة .
ثم انتقل معاوية نقلة نوعية ، واتبع أسلوبا جديدا لتدمير سنة الرسول وهو ما يمكن أن نطلق عليه " حرب الفضائل " فخلافا لسياسة دولة الخلافة القائمة على منع كتابة ورواية الرسول فقد أمر برواية فضائل ومناقب عثمان ، ولما غصت البلاد بفضائل عثمان أمر برواية فضائل الصحابة ، والخلفاء الأولين ، وجاء في مراسيمه ما يلي وبالحرف : " ولا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب وأهل بيته إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة ! ! "
وهكذا لم يفتح معاوية باب الرواية عن رسول الله في مجالي الفضائل والمناقب فحسب ، بل فتح باب الوضع والكذب على رسول الله ! ! وخصص معاوية للرواة صلات وكساء وحباء وقطائع ، فانبجست الأرض عن مئات الألوف من الرواة طمعا بما يعطيه معاوية ، ووضعت الملايين من المناقب والفضائل التي لا وجود لها إلا في خيالات رواة معاوية ، ثم أسندت كلها لرسول الله ! ! !
ثم فرض معاوية على الخاصة والعامة الاعتراف بهذه المرويات وحفظها وتدريسها ، واعتبارها من وثائق الدولة الرسمية . قال ابن نفطويه : " إن أكثر هذه المرويات مفتعلة ، ولا أصل لها ، وكان القصد منها إرغام
أنوف بني هاشم " ( 1 ) ! ! !
وعندما سمعوا في ما بعد برواية وكتابة سنة الرسول كانت تلك المرويات الكاذبة جزءا من وثائق الدولة ومشهودا بصحتها فأخذها الرواة الجدد دون مناقشة ! ! ولاح لمعاوية أن هذا الكم الهائل من المرويات المختلفة في فضائل الصحابة ومناقبهم سيمنع كافة النصوص الشرعية الواردة في فضل أبي تراب وأهل بيته أو أن فضائل الإمام وأهل بيت النبوة ستضيع في هذا المحيط المترامي من المرويات الكاذبة ! !
والخلاصة ، أن قرار الخليفة الأول والثاني بمنع كتابة سنة الرسول ومنع روايتها بقي ساري المفعول حتى زمن عمر بن عبد العزيز الأموي المتوفى سنة 101 ه ، فلما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة ، رفع المنع عن كتابة ورواية سنة الرسول ، وكتب إلى أهل المدينة : " أن انظروا حديث رسول الله فاكتبوا ، فإني خفت دروس العلم وذهاب أهله " وكان ابن شهاب الزهري أول من دون الحديث على رأس المائة هجرية بأمر من عمر بن عبد العزيز ثم كثر التدوين والتصنيف ( 2 ) .
قال الشيخ محمد أبو زهرة : " كاد القرن الأول ينتهي ولم يصدر أحد من الخلفاء أمره إلى العلماء بجمع الحديث ، بل تركوه موكولا إلى حفظهم ، ومرور هذا الزمن الطويل كفيل بأن يهذب بكثير من حملة الأحاديث من الصحابة والتابعين ( 3 ) .
|
( 1 ) راجع شرح النهج لابن أبي الحديد ، وما نقله عن المدائني في كتابه الأحداث ج 3 ص 595 - 596 تحقيق حسن تميم . ( 2 ) فتح الباري باب كتابة العلم ج 1 ص 218 . ( 3 ) الحديث والمحدثون ص 127 ، وتدوين السنة الشريفة ص 482 . ( * ) | |
|