بحث في دور الفطرة والنبوة في الحياة الاِنسانية |
الكتاب :
العقائد الإسلامية ج1 | القسم :
مكتبة عقائد الشيعة
|
|
بحث في دور الفطرة والنبوة في الحياة الاِنسانية ـ تفسير الميزان ج 10 ص 128
قوله تعالى : وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه بغياً بينهم .
قد مر أن المراد به الاِختلاف الواقع في نفس الدين من حملته ، وحيث كان الدين من الفطرة كما يدل عليه قوله تعالى : فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها . الروم ــ 30 . . . .
على أن الفطرة لا تنافي الغفلة والشبهة ولكن تنافي التعمد والبغي ، ولذلك خص البغي بالعلماء ومن استبانت له الآيات الاِلَهية ، قال تعالى : والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون . البقره ــ 39 ، والآيات في هذا المعنى كثيرة ، وقد قيد الكفر في جميعها بتكذيب آيات الله ثم أوقع عليه الوعيد . وبالجملة فالمراد بالآية أن هذا الاِختلاف ينتهي إلى بغي حملة الكتاب من بعد علم . . . .
( 107 ) وقد تبين من الآية : أولاً ، حد الدين ومعرفته وهو أنه نحو سلوك في الحياة الدنيا يتضمن صلاح الدنيا بما يوافق الكمال الاَخروي والحياة الدائمة الحقيقية عند الله سبحانه ، فلابد في الشريعة من قوانين تتعرض لحال المعاش على قدر الاِحتياج .
وثانياً ، أن الدين أول ما ظهر ظهر رافعاً للاِختلاف الناشيء عن الفطرة ، ثم استكمل رافعاً للاِختلاف الفطري وغير الفطري معاً .
وثالثاً ، أن الدين لا يزال يستكمل حتى تستوعب قوانينه جهات الاِحتياج في الحياة فإذا استوعبها ختم ختماً فلا دين بعده ، وبالعكس إذا كان دين من الاَديان خاتماً كان مستوعباً لرفع جميع جهات الاِحتياج ، قال تعالى : ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين . الاَحزاب ــ 40 وقال تعالى : ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء . النحل ــ 89 وقال تعالى : وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . حم السجده ــ 42 .
ورابعاً ، أن كل شريعة لاحقة أكمل من سابقتها .
وخامساً ، السبب في بعث الاَنبياء وإنزال الكتب ، وبعبارة أخرى العلة في الدعوة الدينية هو أن الاِنسان بحسب طبعه وفطرته سائر نحو الاِختلاف ، كما أنه سالك نحو الاِجتماع المدني ، وإذا كانت الفطرة هي الهادية إلى الاِختلاف لم تتمكن من رفع الاِختلاف ، وكيف يدفع شيء ما يجذبه إليه نفسه ، فرفع الله سبحانه هذا الاِختلاف بالنبوة والتشريع بهداية النوع إلى كماله اللائق بحالهم المصلح لشأنهم .
وهذا الكمال كمال حقيقي داخل في الصنع والاِيجاد ، فما هو مقدمته كذلك ، وقد قال تعالى : الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى . طه ــ 50 ، فبين أن من شأنه وأمره تعالى أن يهدي كل شيء إلى ما يتم به خلقه ، ومن تمام خلقة الاِنسان أن يهتدي إلى كمال وجوده في الدنيا والآخرة ، وقد قال تعالى أيضاً : كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا . الاِسراء ــ 20 وهذه الآية تفيد أن شأنه تعالى
( 108 )هو الاِمداد بالعطاء يمد كل من يحتاج إلى إمداده في طريق حياته ووجوده ويعطيه ما يستحقه ، وأن عطاءه غير محظور ولا ممنوع من قبله تعالى إلا أن يمتنع ممتنع بسوء حظ نفسه من قبل نفسه لا من قبله تعالى .
ومن المعلوم أن الاِنسان غير متمكن من تتميم هذه النقيصة من قبل نفسه ، فإن فطرته هي المؤدية إلى هذه النقيصة ، فكيف يقدر على تتميمها وتسوية طريق السعادة والكمال في حياته الاِجتماعية .
وإذا كانت الطبيعة الاِنسانية هي المؤدية إلى هذا الاِختلاف العائق للاِنسان عن الوصول إلى كماله الحري به ، وهي قاصرة عن تدارك ما أدت إليه وإصلاح ما أفسدته فالاِصلاح لو كان يجب أن يكون من جهة غير جهة الطبيعة وهي الجهة الاِلَهية التي هي النبوة بالوحي ، ولذا عبر تعالى عن قيام الاَنبياء بهذا الاِصلاح ورفع الاِختلاف بالبعث ، ولم ينسبه في القرآن كله إلا إلى نفسه ، مع أن قيام الاَنبياء كسائر الاَمور له ارتباطات بالمادة بالروابط الزمانية والمكانية .
فالنبوة حالة إلَهية ، وإن شئت قل غيبية ، نسبتها إلى هذه الحالة العمومية من الاِدراك والفعل نسبة اليقظة إلى النوم بها يدرك الاِنسان المعارف التي بها يرتفع الاِختلاف والتناقض في حياة الاِنسان ، وهذا الاِدراك والتلقي من الغيب هو المسمى في لسان القرآن بالوحي ، والحالة التي يتخذها الاِنسان منه لنفسه بالنبوة .
ومن هنا يظهر أن هذا أعني تأدية الفطرة إلى الاِجتماع المدني من جهة وإلى الاِختلاف من جهة أخرى وعنايته تعالى بالهداية إلى تمام الخلقة ، مبدأ حجة على وجود النبوة ، وبعبارة أخرى دليل النبوة العامة .
تقريره : أن نوع الاِنسان مستخدم بالطبع وهذا الاِستخدام الفطري يؤديه إلى الاِجتماع المدني وإلى الاِختلاف والفساد في جميع شئون حياته الذي يقضي التكوين والاِيجاد برفعه ، ولا يرتفع إلا بقوانين تصلح الحياة الاِجتماعية برفع الاِختلاف عنها . وهداية الاِنسان إلى كماله وسعادته بأحد أمرين ، إما بفطرته وإما
( 109 )بأمر وراءه ، لكن الفطرة غير كافية فإنها هي المؤدية إلى الاِختلاف فكيف ترفعه ، فوجب أن يكون بهداية من غير طريق الفطرة والطبيعة وهو التفهيم الاِلَهي غير الطبيعي المسمى بالنبوة والوحي ، وهذه الحجة مؤلفة من مقدمات مصرح بها في كتاب الله تعالى كما عرفت فيما تقدم ، وكل واحدة من هذه المقدمات تجربية بينتها التجربة للاِنسان تاريخ حياته واجتماعاته المتنوعة التي ظهرت وانقرضت في طي القرون المتراكمة الماضية إلى أقدم أعصار الحياة الاِنسانية التي يذكرها التاريخ . فلا الاِنسان انصرف في حين من أحيان حياته عن حكم الاِستخدام ولا استخدامه لم يؤد إلى الاِجتماع وقضى بحياة فردية ، ولا اجتماعه المكون خلا عن الاِختلاف ، ولا الاِختلاف ارتفع بغير قوانين اجتماعية ، ولا أن فطرته وعقله الذي يعده عقلاً سليماً قدرت على وضع قوانين تقطع منابت الاِختلاف وتقلع مادة الفساد .
وناهيك في ذلك ما تشاهده من جريان الحوادث الاِجتماعية وما هو نصب عينيك من انحطاط الاَخلاق وفساد عالم الاِنسانية والحروب المهلكة للحرث والنسل والمقاتل المبيدة للملايين بعد الملايين من الناس ، وسلطان التحكم ونفوذ الاِستعباد في نفوس البشر وأعراضهم وأموالهم في هذا القرن الذي يسمى عصر المدنية والرقي والثقافة والعلم ، فما ظنك بالقرون الخالية أعصار الجهل والظلمة .
وأما أن الصنع والاِيجاد يسوق كل موجود إلى كماله اللائق به فأمر جار في كل موجود بحسب التجربة والبحث ، وكذا كون الخلقة والتكوين إذا اقتضى أثراً لم يقتض خلافه بعينه أمر مسلم تثبته التجربة والبحث ، وأما أن التعليم والتربية الدينيين الصادرين من مصدر النبوة والوحي يقدران على دفع هذا الاِختلاف والفساد ، فأمر يصدقه البحث والتجربة معاً ، أما البحث فلاَن الدين يدعو إلى حقائق المعارف وفواضل الاَخلاق ومحاسن الاَفعال ، فصلاح العالم الاِنساني مفروض فيه ، وأما التجربة فالاِسلام أثبت ذلك في اليسير من الزمان الذي كان الحاكم فيه على الاِجتماع بين المسلمين هو الدين ، وأثبت ذلك بتربية أفراد من الاِنسان صلحت نفوسهم
( 110 )وأصلحوا نفوس غيرهم من الناس على أن جهات الكمال والعروق النابضة في هيكل الاِجتماع المدني اليوم التي تضمن حياة الحضارة والرقي مرهونة للتقدم الاِسلامي وسريانه في العالم الدنيوي على ما تعطيه التجزية والتحليل من غير شك . انتهى .
وأنت تلاحظ أن صاحب الميزان رحمه الله فسر الفطرة بالغرائز الخيرة والشريرة معاً ، ولكن والذي يظهر من الاَحاديث الشريفة اختصاصها ببعض الغرائز الخيرة .
ـ تفسير الميزان ج 11 ص 151
فلو كان في الدنيا خير مرجو وسعادة لوجب أن ينسب إلى الدين وتربيته . ويشهد بذلك ما نشاهده من أمر الاَمم التي بنت اجتماعها على كمال الطبيعة وأهملت أمر الدين والاَخلاق فإنهم لم يلبثوا دون أن افتقدوا الصلاح والرحمة والمحبة وصفاء القلب وسائر الفضائل الخلقية والفطرية ، مع وجود أصل الفطرة فيهم ، ولو كانت أصل الفطرة كافية ولم تكن هذه الصفات بين البشر من البقايا الموروثة من الدين ، لما افتقدوا شيئاً من ذلك .
على أن التاريخ أصدق شاهد على الاِقتباسات التي عملتها الاَمم المسيحية بعد الحروب الصليبية فاقتبسوا مهمات النكات من القوانين العامة الاِسلامية فتقلدوها وتقدموا بها ، والحال أن المسلمين اتخذوها وراءهم ظهرياً فتأخر هؤلاء وتقدم أولئك .. والكلام طويل الذيل .
وبالجملة الاَصلان المذكوران أعني السراية والوراثة وهما التقليد الغريزي في الاِنسان والتحفظ على السيرة المألوفة ، يوجبان نفوذ الروح الديني في الاِجتماعات كما يوجبان في غيره ذلك وهو تأثير فعلي .
فإن قلت : فعلى هذه فما فائدة الفطرة فإنها لا تغني طائلاً ، وإنما أمر السعادة بيد النبوة ، وما فائدة بناء التشريع على أساس الفطرة على ما تدعيه النبوة .
قلت : ما قدمناه في بيان ما للفطرة من الاِرتباط بسعادة الاِنسان وكماله يكفي في حل هذه الشبهة ، فإن السعادة والكمال الذي تجلبه النبوة إلى الاِنسان ليس أمراً
( 111 )خارجاً عن هذا النوع ولا غريباً عن الفطرة ، فإن الفطرة هي التي تهتدي إليه لكن هذا الاِهتداء لا يتم لها بالفعل وحدها من غير معين يعينها على ذلك ، وهذا المعين الذي يعينها على ذلك وهو حقيقة النبوة ليس أيضاً أمراً خارجاً عن الاِنسانية وكمالها منضماً إلى الاِنسان كالحجر الموضوع في جنب الاِنسان مثلاً ، وإلا كان ما يعود منه إلى الاِنسان أمراً غير كماله وسعادته كالثقل الذي يضيفه الحجر إلى ثقل الاِنسان في وزنه ، بل هو أيضاً كمال فطري للاِنسان مذخور في هذا النوع وهو شعور خاص وإدراك مخصوص مكمون في حقيقته لا يهتدي إليه بالفعل إلا آحاد من النوع أخذتهم العناية الاِلَهية ، كما أن للبالغ من الاِنسان شعوراً خاصاً بلذة النكاح لا تهتدي إليه بالفعل بقية الاَفراد غير البالغين بالفعل ، وإن كان الجميع من البالغ وغير البالغ مشتركين في الفطرة الاِنسانية والشعور شعور مرتبط بالفطرة . وبالجملة لا حقيقة النبوة أمر زائد على إنسانية الاِنسان الذي يسمى نبياً وخارج عن فطرته ، ولا السعادة التي تهتدي سائر الاَمة إليها أمر خارج عن إنسانيتهم وفطرتهم غريب عما يستأنسه وجودهم الاِنساني ، وإلا لم تكن كمالاً وسعادة بالنسبة إليهم .
فإن قلت : فيعود الاِشكال على هذا التقرير إلى النبوة فإن الفطرة على هذا كافية وحدها والنبوة غير خارجة عن الفطرة . فإن المتحصل من هذا الكلام هو أن النوع الاِنساني المتمدن بفطرته والمختلف في اجتماعه يتميز من بين أفراده آحاد من الصلحاء فطرتهم مستقيمة وعقولهم سليمة عن الاَوهام والتهوسات ورذائل الصفات، فيهتدون باستقامة فطرتهم وسلامة عقولهم إلى ما فيه صلاح الاِجتماع وسعادة الاِنسان فيضعون قوانين فيها مصلحة الناس وعمران الدنيا والآخرة ، فإن النبي هو الاِنسان الصالح الذي له نبوغ اجتماعي .
قلت : كلا وإنما هو تفسير لا ينطبق على حقيقة النبوة ولا ما تستتبعه .
أما أولاً ، فلان ذلك فرض افترضه بعض علماء الاِجتماع ممن لا قدم له في البحث الديني والفحص عن حقائق المبدأ والمعاد . فذكر أن النبوة نبوغ خاص
( 112 )اجتماعي استتبعته استقامة الفطرة وسلامة العقل ، وهذا النبوغ يدعو إلى الفكر في حال الاِجتماع وما يصلح به هذا الاِجتماع المختل وما يسعد به الاِنسان الاِجتماعي فهذا النابغة الاِجتماعي هوالنبي والفكر الصالح المترشح من قواه الفكرية هو الوحي، والقوانين التي يجعلها لصلاح الاِجتماع هو الدين ، وروحه الطاهر الذي يفيض هذه الاَفكار إلى قواه الفكرية ولا يخون العالم الاِنساني باتباع الهوى هو الروح الاَمين وهو جبرائيل ، والموحى الحقيقي هو الله سبحانه والكتاب الذي يتضمن أفكاره العالية الطاهرة هو الكتاب السماوي ، والملائكة هي القوى الطبيعية أو الجهات الداعية إلى الخير ، والشيطان هي النفس الاَمارة بالسوء أو القوى أو الجهات الداعية إلى الشر والفساد ، وعلى هذا القياس . وهذا فرض فاسد وقد مر في البحث عن الاِعجاز ، وأن النبوة بهذا المعنى لاَن تسمى لعبة سياسية أولى بها من أن تسمى نبوة إلَهية .
وقد تقدم أن هذا الفكر الذي يسمى هؤلاء الباحثون نبوغه الخاص نبوة ، من خواص العقل العملي الذي يميز بين خير الاَفعال وشرها بالمصلحة والمفسدة ، وهو أمر مشترك بين العقلاء من أفراد الاِنسان ومن هداية الفطرة المشتركة ، وتقدم أيضاً إن هذا العقل بعينه هو الداعي إلى الاِختلاف ، وإذا كان هذا شأنه لم يقدر من حيث هو كذلك على رفع الاِختلاف واحتاج فيه إلى متمم يتمم أمره ، وقد عرفت أنه يجب أن يكون هذا المتمم نوعاً خاصاً من الشعور يختص به بحسب الفعلية بعض الآحاد من الاِنسان ، وتهتدي به الفطرة إلى سعادة الاِنسان الحقيقية في معاشه ومعاده .
ومن هنا يظهر أن هذا الشعور من غير سنخ الشعور الفكري ، بمعنى أن ما يجده الاِنسان من النتائج الفكرية من طريق مقدماتها العقلية ، غير ما يجده من طريق الشعور النبوي والطريق غير الطريق .
ولا يشك الباحثون في خواص النفس في أن في الاِنسان شعوراً نفسياً باطنياً ، ربما يظهر في بعض الآحاد من أفراده يفتح له باباً إلى عالم وراء هذا العالم ، ويعطيه عجائب من المعارف والمعلومات وراء ما يناله العقل والفكر ، صرح به جميع علماء
( 113 )النفس من قدمائنا وجمع من علماء النفس من أوروبا مثل جمز الاِنجليزي وغيره .
فقد تحصل أن باب الوحي النبوي غير باب الفكر العقلي ، وأن النبوة وكذا الشريعة والدين والكتاب والملك والشيطان لا ينطبق عليها ما اختلقوه من المعاني .
|