الفصل الخامس : منع رواية وكتابة سنة الرسول في عهد عمر بن الخطاب
لقد كان لعمر بن الخطاب مفهومه الخاص به عن سنة الرسول بأنواعه الثلاثة القولية والفعلية والتقريرية ، وبقي عمر وفيا لهذا المفهوم ، في صحة النبي وفي مرضه ، وقبل أن يتولى عمر الخلافة ، وبعد أن تولاها ، والظاهر من أقوال عمر ومن تصرفاته ، أنه كان لا يعتقد بأن كل ما يقوله الرسول أو يفعله صحيحا أو من عند الله ! ! ! لقد أقنع نفسه بأن له الحق بإبداء مطالعاته على ما يقوله الرسول أو يفعله ! ! خاصة في الفترة التي سبقت وفاة الرسول ! ! ، وقد وسع الرسول الأعظم الرجل بحلمه العظيم ، لكونه من أصحابه ، ولكونه من أصهاره ، لأنه يعرف مفاتيح شخصيته ، وطبيعة النفس الإنسانية ، وقدر الرسول أن عمر بوقت يطول أو يقصر سيعود لوضعه الطبيعي ، وسيستقر نفسيا ! !
ثم إن الرسول الأعظم ليس مخولا بأن يعاقب الناس على نواياهم ، ما لم تخرج هذه النوايا إلى حيز الوجود الخارجي ، وتأخذ شكل فعل كامل التكوين ومحظور ، والرسول الأعظم كان لا يرى أن له الحق بمصادرة حريات الناس ، خاصة حرية القول ، بل كان هدف الرسول منصبا بالدرجة الأولى والأخيرة على توجيه هذه الحريات توجيها شرعيا ، بحيث يتكون لدى الإنسان الإحساس الذاتي ، بمسؤوليته
عن أقواله وأفعاله ووزنها بميزان الشرعية الإلهية ، ثم إن الرسول الأعظم كان يتعامل قانونيا مع الظواهر ، تاركا أمر البواطن لله تعالى ، لقد عرفه الله تعالى بالمنافقين ولكن لا أعلم أن رسول الله قد قال خلال حياته لأحد من المنافقين بالذات أنت منافق يا فلان ! ! !
كان المنافقون يتلفظون الشهادتين ، ويصلون ويصومون ويعتمرون ويحجون ويزكون ، ويخرجون للجهاد مع رسول الله ، وإذا تخلفوا عنه يعتذرون ويظهرون الإيمان ، ويبطنون الكفر والفسوق ولا عصيان ، كان الرسول يعلم ذلك علم اليقين ، ولكنه كان لا يرى لنفسه سلطانا لمعاقبة هذا المنافق أو ذاك ، ما لم يجهر بكفره وفسوقه وعصيانه ، ويأخذ هذا الجهر الصورة الكاملة لفعل محظور شرعا ، فإن فعل ذلك عاقبه الرسول بحدود الفعل ، كمسلم حسب الظاهر ، وبالعقوبة المحدودة شرعا ولكن الرسول لا ينبش ماضيه ، ولا ينقب عن حقيقة إيمانه ، ثم إن الرسول يمثل قمة الكمال الإنساني ، وصفوة الوجود البشري ، وهو بطبيعته رحمة للعالمين ، قود وسع بحلمه المسلمين جميعا ، وعلا بخلقه فوق الناس أجمعين لذلك وصف الله تعالى خلقه وصفا دقيقا بقوله : ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) فعبد الله بن أبي كان كهف المنافقين والنفاق ، وقد أبدي رغبته بأداء العمرة مع رسول الله ، ولم يكسر النبي بخاطره واصطحبه كأي واحد من المسلمين ، ولما نزل رسول الله في الحديبية ، وتعثرت المفاوضات مع زعامة الشرك ، وأمر الله رسوله بأن يأخذ البيعة على القتال من المسلمين بايعه ابن أبي كواحد من المسلمين ، ولما عرضت زعامة الشرك على ابن أبي أن يؤدي العمرة وأن يطوف بالبيت قال كيف أفعل ذلك دون رسول الله ! !
ومن المؤكد أن ذلك قد أثلج خاطر الرسول وفي لحظة من اللحظات ، اقترح بعضهم على رسول الله أن يقتل ابن أبي ، فأجاب الرسول ذلك البعض بقوله : " كيف يقال بأن محمدا يقتل أصحابه ، والله لنحسنن صحبته ما دام بين أظهرنا " وفي غزوة تبوك وأثناء عودته وعندما تآمر عليه ذلك النفر من المنافقين ليقتله ، كشف الخبر لأصحابه ، ولكنه لم
يعاقب المتآمرين ، لأن الخبر قد جاءه بالوحي قبل أن يشرع المتآمرون بتنفيذ الجريمة ، ولما قال له بعض أصحابه : لم لا تقتلهم يا رسول الله ، أجاب أليسوا يشهدون أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله ! ! قالوا : بلى ولكن لا شهادة لهم ، فقال النبي : إني لم أؤمر بذلك ، سيقول العرب إنه بعد أن وضعت الحرب أوزارها بدأ محمد يقتل أصحابه ! !
كان مجتمع المدينة وما حولها غاص بالمنافقين وأصحاب النفوس الفاسدة ، بل إن هنالك فئة داخل المدينة وخارجها قد مردت تماما على النفاق كما ذكر الله تعالى ، فهم ليسوا منافقين فحسب بل هم من كبار مردة النفاق كان الرسول يعلم ذلك ، لكنه مقيد بالحكم الإلهي ، ومقيد بالخلق العظيم ، ومقيد بكونه ذروة الوجود والكمال الإنساني ، كان يتصرف مع الجميع تصرف الأكبر ، تصرف الوالد الرحيم مع أبنائه ، فلم يقطع الرجاء بصلاح من انحرف ، أو حاد عن الطريق المستقيم ، كان يأمل أن يخرج الله من صلب ذلك المنحرف إنسانا مستقيما ! ! روحي فداك يا رسول الله كم أنت كبير وعظيم وحليم ورحيم ! ! !
لقد كان عمر بن الخطاب أحد أصحابه الذين هاجروا تبعا لهجرته ، لقد عرض عمر ابنته حفصة على رسول الله فتزوجها ، فنال شرف المصاهرة ، وصار يتردد على رسول الله بحكم الصحبة وبحكم المصاهرة ، كان عمر في الجاهلية رجلا مغمورا ليس من علية القوم ، ولا من زعامتها ، أنظر إلى قول المقداد لعمر في السقيفة : " لأعيدنك إلى قوم كنت فيهم ذليلا غير عزيز . . . " كما يروي ابن قتيبة في الإمامة والسياسة ج 1 ص 4 وما فوق ، وبعد الهجرة وجد نفسه صاحبا لأعظم شخصية في العالم ، وحما لرجل الساعة ، وواحدا من أتباعه المقربين بحكم الصحبة والمصاهرة والغربة عن مسقط الرأس ، فتاه الرجل فخرا وعزا ، فاستخفته هذه المرتبة العالية ، فتفتح طموحه ، واتسع نطاق وسائله ليستوعب هذا الطموح العجيب ، ويتقن من حلم النبي العظيم ، ومن إحساس النبي الصادق بأن لعمر عليه حق الإسلام ، وحق الصحبة ، وحق المصاهرة ، والحلم النبوي
الفذ وهذه الحقوق التي يراها الرسول لعمر تجعل عمر في أمان خلال هذه الحياة الدنيا على الأقل ، فانطلق الرجل ، وخلال انطلاقته كشف بوضوح عن مفهومه الخاص لسنة رسول الله بأنواعها الثلاثة القولية والفعلية والتقريرية ، بل لقد كشف عن طبيعة إيمانه ونظرته الشخصية للرسول ، ولما آلت إليه الخلافة تألق نجمه كصاحب لرسول الله وكخليفة ، بيده مفاتيح خزائن دولة عظمى ، يؤلف بأموالها ونفوذها القلوب من حوله فاستقطب بسيرته قبل الخلافة وبعدها الذين عادوا رسول الله ، وأسند لهم مناصب الدولة العليا ، واستقطب من أيد سياسته من القلة المؤمنة ، ثم عزل أهل بيت النبوة عزلا اجتماعيا تاما ، وأذلهم ، حتى ينتزع من نفوسهم وإلى الأبد فكرة المطالبة بالرئاسة العامة للمسلمين ، ومن الادعاء بأن الرئاسة حق خالص لأهل بيت النبوة من دون الناس ! !
أما على مستوى الشخصي فعاش حياة الكفاف ! ! فانقادت فئات الأمة له ، قلة من المؤمنين ، وكامل بطون قريش وكافة أعداء الله ورسوله السابقين ، والمنافقين والمرتزقة من الأعراب ، وصارت كل فئة تعتقد أنه رجلها ، وحتى أهل بيت النبوة لم يجهروا بمعارضتهم له ، فذاع صيت الرجل ، وعمت شهرته ، ووضعت له الفضائل التي لا تحصى ، وتصور الناس أن الرجل يخالف الله ورسوله لحكمة خافية عليهم ، وأن الله لو لم يختر محمدا للنبوة لاختار عمر ، وما من قصة كان فيها رسول الله وعمر إلا وأعطوا فيها دور البطولة لعمر ، وصارت هذه المعتقدات جزءا من عقيدة العامة والخاصة ثم آلت الخلافة إلى أعداء الله السابقين والحاقدين على أهل بيت النبوة فبالغوا بمدح أبي بكر وعمر لا حبا بهما ولكن إرغاما لأنوف أهل بيت النبوة ، وشب الصغير على ذلك وهرم الكبير فيه ، واستقر ذلك في النفوس عمليا ! !
فأي بحث موضوعي سيصطدم بهذه القناعة المسبقة التي تكونت عند الغالبية من المسلمين والتي ترفض ما يتعارض معها ! !
بهذا المناخ سنبحث منع رواية وكتابة سنة الرسول في عهد عمر بن الخطاب ، وكما قلنا في بداية هذا الفصل بأنه كان لعمر بن الخطاب مفهومه الخاص عن سنة الرسول بأنواعها الثلاثة القولية والفعلية والتقريرية .
|