الخليفة الأول يحرق سنة الرسول التي جمعها بنفسه
لم يكتف الخليفة بهذا المرسوم الذي منع بموجبه المسلمين من أن يحدثوا أي شئ من سنة رسول الله ، بل تناول الأحاديث التي جمعها بنفسه ، وسمعها بنفسه من رسول الله ، فأحرقها ! ! قال الذهبي : " إن أبا بكر جمع أحاديث النبي ( ص ) في كتاب ، فبلغ عددها خمسمائة حديث ، ثم دعا بنار فأحرقها " ( 1 )
روى القاسم بن محمد أحد أئمة الزيدية عن الحاكم بسنده إلى عائشة قالت : " جمع أبي الحديث عن رسول الله ، فكانت خمسمائة حديث فبات ليله يتقلب ، فلما أصبح قال أي بنية ، هلمي الأحاديث التي عندك ، فجئته بها فدعا بنار فأحرقها " ( 2 ) .
فالخليفة صاحب النبي 23 عاما ، وصاهره ، ولازمه ، وشهد كل مواقعه كما يجمع المؤرخون على ذلك . وفوق هذا وذلك فهو يقرأ ويكتب ، فهل
|
( 1 ) تذكرة الحفاظ للذهبي ج 1 ص 5 ، وعلوم الحديث ص 39 . ( 2 ) الاعتصام بحبل الله المتين ج 1 ص 30 ، وتدوين السنة الشريفة ص 264 ، وتذكرة الحفاظ ج 1 ص 5 ، وكنز العمال ج 1 ص 285 . ( * ) |
| |
نستكثر على من كانت هذه حالته أن يروي عن الرسول خمسمائة حديث من سنته ! ! لقد رواها بنفسه ، وسمعها بنفسه ، وكتبها بنفسه ، بمعدل أقل من 22 حديثا كل عام ، وأقل من حديثين كل شهر ، وهذا يعني أنها كانت صحيحة وصادرة عن رسول الله قطعا ، ومحفوظة وبعيدة عن التحريف لأنه قد استودعها عند ابنته ككنز خوفا عليها من الضياع ، وبعد أن انتقل الرسول إلى جوار ربه وانقطع الوحي ، وبعد أن استولى على منصب الخلافة ، صار لا ينام الليل من وجود هذه الأحاديث ! ! !
ووصفت لنا السيدة عائشة ابنة الخليفة حالته بقولها : " . . . جمع أبي الحديث عن رسول الله ( ص ) ، وكانت خمسمائة حديث ، فبات ليلته يتقلب كثيرا قالت فضمني ، فقلت أتتقلب لشكوى أو لشئ بلغك ؟ فلما أصبح قال : أي بنية هلمي الأحاديث التي عندك ، فجئته بها ، فدعا بنار فأحرقها ! ! فقلت لم أحرقها ؟ قال : خشيت أن أموت وهي عندي فتكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقت ، ولم يكن كما حدثني فأكون قد نقلت ذلك " انتهى النص ( 1 ) .
السيدة عائشة تؤكد بأن أباها قد جمع الحديث عن رسول الله وتؤكد أن عدد الأحاديث كان خمسمائة حديث ، وأن هذه الأحاديث ، فلما أصبح طلب الأحادث التي سمعها من رسول الله بنفسه وكتبها بخط يده ، ثم دعا بنار فأحرقها أمام السيدة عائشة ، حتى الآن فإن وقائع الرواية متماسكة ، ومتفقة مع توجهات الخليفة ، ومنسجمة مع المرسوم الذي أصدره بعد توليه لمنصب الخلافة ، ومع أمره للمسلمين " بأن لا يحدثوا شيئا عن رسول الله " ، بل وتتناغم مع الواقع ومع نفسية الخليفة الرقيقة ، فالتصرف قد حدث بعد توليه منصب الخلافة ، وأثناه الفترة التي كان فيها غاضبا من الإمام علي ومن أهل بيت النبوة الذين رفضوا بيعته بدعوى أنهم
|
( 1 ) تذكرة الحفاظ ج 1 ص 5 ، وكنز العمال ج 10 ص 285 ، وتدوين القرآن ص 370 . ( * ) |
| |
أحق بالخلافة منه وفي الوقت الذي حرمهم فيه من تركة الرسول ومن سهم ذوي القربى ، وصادر المنح التي أعطاها لهم الرسول ، وهم بإحراق بيت فاطمة على من فيه وهدد الإمام بالقتل إن لم يبايع ، أو أمر بأن يؤتى به بأعنف العنف ( 1 ) فليس من المستبعد أن بعض الأحاديث التي كتبها الخليفة تتضمن بعض مراتب الإمام علي ، أو مكانة أهل بيت النبوة ، فلما استعرض الوقائع أو أحداث يومه أو أسبوعه ، وتذكر أحاديث النبي ، جفاه النوم وانتابه القلق ، فصارت هذه الأحاديث كشبح يلاحقه ويحول بينه وبين النوم ، لأن نفسية الرجل رقيقة ويندم علي الخطأ بدليل ندمه وعلى فراش الموت حيث قال : " أما إني لا آسى على شئ في الدنيا إلا على ثلاث فعلتهن وددت أني لم أفعلهن . . . فوددت أني لم أكشف عن بيت فاطمة وتركته ولو أغلق على حرب " ( 2 )
ووضع اليعقوبي الصورة بقوله : إن أبا بكر قال : " وليتني لم أفتش بيت فاطمة بنت رسول الله وأدخله الرجال ولو أغلق على حرب " ( 3 ) فمن المحتمل جدا أن يكون في الأحاديث التي كانت مكتوبة عند أبي بكر توصية بإرضاء السيدة فاطمة بالذات بدليل أنه بعد عملية الشروع بحرق بيتها ، ذهب أبو بكر وعمر إلى منزلها ليعتذرا ، فسألتهما : " نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله يقول : رضا فاطمة من رضاي وغضبها من غضبي . . . فأجابها الاثنان بصوت واحد اللهم نعم قد سمعناه ! ! " ( 3 )
فما الذي يمنع بأن يكون هذا الحديث هو أحد الخمسمأة ! ! ! فعندما يتذكر أبو بكر هذا الحديث وأمثاله من المكتوبة عنده ، ويتذكر ما فعله بأهل بيت النبوة ، فإن هذا يجلب القلق ، ويذهب النوم خاصة عن شخصية رقيقة كشخصية الخليفة الأول ! ! !
ثم إن الشخص العادي إذا اقتنع بأنه قد ظلم في يومه إنسانا ، فإنه
|
( 1 ) بالفصول السابقة وثقنا كل كلمة قلناها . ( 2 ) أنساب الأشراف ج 1 ص 587 . |
( 3 ) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 115 . ( 4 ) الإمامة والسياسة لابن قتيبة ج 1 ص 7 وما فوق . ( * ) |
| |
لا يقوى على النوم ، ويصيبه الأرق ، فكيف يحس الإنسان الرقيق إذا اقتنع بأنه قد ظلم أو آذى بنت رسول الله أو أحب الناس إليه ، إن وجود هذه الأحاديث يذكره دائما بما فعل ، إنها بمثابة شهود إدانة ، والإنسان بفطرته يتخلص مما يدينه ! ! .
ثم إن الثابت بأن أبا بكر قد جمع خمسمأة حديث ، بينما الموجود بأيدي المسلمين من حديثه لا يتجاوز 142 حديثا كما أحصاها ابن حزم والسيوطي ( 1 ) بمعنى أنه قد ضاع منها 358 حديثا ! ! ! فإن صح ما ذهبنا إليه ، فمن غير المعقول أن يروي الإنسان عن رسول الله ما يدينه ! ! ! أما عجز الحديث " آخره " الذي يتضمن السبب المعلن الذي دفع الخليفة الأول لحرق الأحاديث التي جمعها بنفسه ، فالصناعة والتكلف واضح فيه ، وأكبر الظن بأنه قد ألحق بالحديث إلحاقا فالنفس الذي صيغ فيه العجز مختلف تماما عن النفس الذي صيغ فيه بقية الحديث ، ثم إن المؤرخين والمحدثين يجمعون بأن أبا بكر كان من أقرب الصحابة لرسول الله ، وكان من الملازمين له ، ولم تكن هنالك حواجز بين الرسول وبين أبي بكر فهو صهره وصاحبه ، فما هو الداعي ليترك رسول الله وهو النبع النقي ويأتي إلى غيره ليروي له أحاديث رسول الله ! ! ! ، لأنه أقرب من الغير لرسول الله ، وألصق به ! !
ثم إنه ليس كثيرا على قارئ وكاتب كأبي بكر أن يجمع 500 حديث خلال صحبة للرسول دامت 23 سنة ، ودعمت الصحبة رابطة المصاهرة ! ! ! إن عجز الحديث لا يتفق مع أوله وهو غير معقول ومن المؤكد أن القوم قد أضافوا عجز الحديث لأوله ليجعلوا من إحراق الخليفة الأول لسنة الرسول التي كتبها فضيلة من فضائله ، وليبرروا عملية إحراقه للسنة النبوية المطهرة لأن إحراق السنة المطهرة لا يمكن الدفاع عنه إلا بمثل هذا المبرر .
|
( 1 ) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 66 ، وتدوين السنة للجلالي ص 277 . ( * ) |
| |
لكن المرسوم الذي أصدره الخليفة والذي أمر فيه المسلمين بأن لا يحدثوا عن رسول الله شيئا ، جرف المبررات التي اختلقوها وأثبت بوضوح لا يقبل الشك بأن سياسة الخلفاء كانت قائمة على استبعاد سنة الرسول ، والتمسك بالقرآن وحده ، أو بفهمهم أو تأويلهم لهذا القرآن ، لأن سنة الرسول كانت متعارضة مع الواقع الذي أوجدوه ، وكانت ناقضة لذلك الواقع وحاكمة ببطلانه فاستبعدوا سنة الرسول كفرار فطري من أدلة الادانة والتجريم .
|