الاحتجاجات لا تجدي أمام قرارات السلطة
ضج أهل بيت النبوة واحتجوا على هذه القرارات الأليمة والمذلة والمعارضة لكتاب الله وسنة رسوله وأخلاق الإسلام بل وشيم البشر النبيلة ، وذهبت الزهراء بنفسها ، واحتجت أمام المهاجرين والأنصار بخطبة من عيون خطب العرب ذكرها الجوهري في كتابه السقيفة ( 1 ) وسمع الخليفة وعمر وأركان حزبهما ورقص المنافقون طربا ، وازداد ولاؤهم للسلطة ، وهم يرونها تدوس أقدس مقدسات الإسلام ، وأحب الخلق إلى رسول الله ، ولم يستنكر المهاجرون والأنصار هذه القرارات لا بيد ولا بلسان ! !
وكيف يستنكرونها وبالأمس لم يستنكروا تهديد السلطة للإمام بالقتل إن لم يبايع ، وشروعها بحرق بيت آل محمد على من فيه وهم أحياء ! ! واكتفى الخليفة وعمر وأركان حزبهما بالسماع وبقيت القرارات الغاشمة سارية المفعول ! ! وسعد عمر بالأثر المؤلم الذي تركته تلك القرارات على آل محمد ، وتذكرت القلة المؤمنة من المهاجرين حصار بطون قريش ومقاطعتهم لبني هاشم في شعاب أبي طالب ! !
وكيف أن بطون قريش قصدت المجاهرة والمقاطعة على البيع والشراء والنكاح ، وتمنت القلة المخلصة لو طبق هذا الحصار ثانية على أهل البيت لكان أخف وطأة
|
( 1 ) شرح النهج ج 4 ص 87 ، وبلاغات النساء ص 12 - 15 . ( * ) |
| |
وأسهل حملا على أهل بيت النبوة وأقوم قيلا ، ولم يبق أمام آل محمد غير الصبر والتسليم إلى حين ! ! ! ولم يكتفوا بذلك لم يكتف أبو بكر وعمر وحزبهما بذلك إنما حرموا على الهاشميين أن يتولوا أي منصب من مناصب الدولة أو أي وظيفة من وظائفها العامة ، وحرموا ذلك أيضا على من والاهم ، فلم يصدف طوال التاريخ أن ولى أبو بكر أو عمر أو عثمان أي رجل من آل محمد أو ممن والاهم أي عمل من الأعمال أو أية إمارة من الإمارات أو أية وظيفة من الوظائف العامة ! ! ! بل على العكس كانوا لا يولون ولا يستعينون إلا بالكارهين لآل محمد أو الحاقدين عليهم ، أو من أولئك الذين حذر منهم الرسول أو من أولئك الذين لعنهم الرسول ، أو من أصحاب السجلات الحافلة بمعاداة الله ورسوله ! ! ! ( 1 )
لقد نصب أبو بكر خالد بن سعيد الأموي على حملة الروم ، فجاءه عمر وقال له : أتولي خالدا وقد حبس عليك بيعته وقال لبني هاشم ما قال ؟ ! فحسنات الرجل أنه أموي ولكن تبين بأنه موال لآل محمد ، وأنه قد أسلم قبل إسلام أبي بكر ، وبسبب موالاة هذا الأموي لآل محمد انصرف عنه أبو بكر وولى بدلا منه أبا عبيدة حليفهم ، ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة ( 2 )
لقد عرض الخليفتان الأولان على العباس بعض الأمر له ولعقبه لكن هذا العرض لم يكن لله ، فقد كان هدفهم أن يفرقوا آل محمد وأن يوقعوا بين الإمام علي وبين عمه العباس ، فاكتشف العباس هذه
|
( 1 ) إرجع إلى الفصل تحت عنوان تحذيرات الرسول لترى أن كل ولاة الدولة كانوا من أعداء الله ورسوله ، ومن الكارهين لآل محمد ، ومن الذين حذر منهم الرسول ! ! ! ( 2 ) شرح النهج ج 2 ص 58 - 59 . ( * ) |
| |
اللعبة لذلك رفض عرضهم ( 1 )
لقد مد الخلفاء أيديهم للجميع ، وفتحوا قلوبهم للجميع إلا لآل محمد ومن والاهم ، فكافة ولاة الدولة وأمرائها ، وعمالها وموظفيها من أعداء الله السابقين ومن الكارهين لآل محمد أو الحاقدين عليهم ! ! لقد أصبح آل محمد ومن والاهم - وهم القلة المؤمنة - طبقة منبوذة ومجردة من كافة حقوقها السياسية والمدنية ، لقد قال عمر بن الخطاب بكل صراحة للعباس بن عبد المطلب بأن الأمة ليست بحاجة لآل محمد ولا لبني هاشم ( 2 ) .
كانوا يبذلون كل ممكن ليؤلفوا أعداء الله السابقين حولهم في الوقت الذي كانوا فيه يمنعون آل محمد أبسط حقوقهم ، يبدو أن أبا سفيان لا يعلم عن تورط أولاده مع الانقلابيين ، وأن الانقلابين قد استثنوه ، وتحالفوا مع أولاده لأن عداوة أبي سفيان بالذات لله ولرسوله ظاهرة ، وكان الرسول قد أرسل أبا سفيان لجمع الصدقات فعاد بعد وفاة الرسول ، ولما علم بتنصيب أبي بكر قال : " إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا الدم " ، فخاف الخليفة وخاف عمر ، وتركا له ما بيده من الصدقات فسكت ( 3 ) وقال يوما : " ما لنا ولأبي فصيل إنما هي بنو عبد مناف " ( 4 ) فقالوا له : إنه قد ولى ابنك يزيد ، فقال أبو سفيان : " وصلته رحم " ( 5 ) ورضي ومع أن الأشعث بن قيس قد ارتد ، وتم أسره ، وكان أبو بكر يعرف أن الأشعث لا يرى شرا إلا أعان عليه ( 6 ) إلا أن أبا بكر عفا عنه ، وزوجه أخته وأشركه بالمهام .
|
( 1 ) الإمامة والسياسة ج 1 ص 15 ، والسقيفة وفدك ص 43 ، وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 1225 طبعة لندن ، والسنة بعد الرسول للسيد علي الشهرستاني ص 109 من مجلة تراثنا العدد 59 و 60 . ( 2 ) الإمامة والسياسة ج 1 ص 15 . ( 3 ) السقيفة وفدك ص 37 ، وشرح النهج ج 2 ص 44 ، والسنة بعد الرسول ص 111 مجلة تراثنا العدد 59 و 60 . ( 4 ) المصدر السابق . ( 5 ) تاريخ الطبري ج 3 ص 202 . ( 6 ) تاريخ الطبري ج 4 ص 52 . ( * ) |
| |
وباختصار لقد تآمروا على أهل بيت النبوة ، والفئة القليلة المؤمنة وأمروا عليهم أعداء الله ورسوله السابقين ، والكارهين لآل محمد والحاقدين عليهم .
قال الإمام علي يصف حالهم : " لما قبض الله نبيه ، وكنا أهله وورثته وعترته وأولياءه من دون الناس لا ينازعنا سلطانه أحد ، ولا يطمع في حقنا طامع ، إذ انبرى لنا قومنا ، فغصبونا سلطان نبينا ، فصار الأمر لغيرنا ، وصرنا سوقة ، يطمع فينا الضعيف ، ويعتزر علينا الذليل ، فبكت الأعين منا لذلك ، وخشيت الصدور ، وجزعت النفوس ، وأيم الله لولا مخافة الفرقة بين المسلمين وأن يعود الكفر ويبور الدين لكنا على غير ما كنا عليه " ( 1 ) .
|
( 1 ) شرح النهج ج 1 ص 248 - 249 ، وراجع كتابنا المواجهة ص 526 وما فوق . ( * ) | |
|