من آيات وروايات عالم الخزائن
قال الله تعالى : والاَرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون . وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين . وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم . الحجر 19 ـ 21
ـ الصحيفة السجادية ج 1 ص 71
اللهم يا منتهى مطلب الحاجات ، ويا من عنده نيل الطلبات ، ويا من لا يبيع نعمه بالاَثمان ، ويا من لا يكدر عطاياه بالاِمتنان ، ويا من يستغنى به ولا يستغنى عنه ،
( 88 )ويا من يرغب إليه ولا يرغب عنه ، ويا من لا تفني خزائنه المسائل ، ويا من لا تبدل حكمته الوسائل ، ويا من لا تنقطع عنه حوائج المحتاجين ، ويا من لا يعنيه دعاء الداعين . . . .
ـ مصباح المتهجد ص 467
سبحان الحي القيوم ، سبحان الدائم الباقي الذي لا يزول ، سبحان الذي لا تنقص خزائنه ، سبحان من لا ينفد ما عنده ، سبحان من لا تبيد معالمه ، سبحان من لا يشاور في أمره أحداً ، سبحان من لا إلَه غيره .
ـ مصباح المتهجد ص 578
الحمدلله الفاشي في الخلق أمره وحمده، الظاهر بالكرم مجده، الباسط بالجود يده، الذي لا تنقص خزائنه ، ولا تزيده كثرة العطاء إلا كرماً وجوداً ، إنه هو العزيز الوهاب .
ـ مستدرك الحاكم ج 1 ص 525
عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه كان يدعو : اللهم احفظني بالاِسلام قائماً ، واحفظني بالاِسلام قاعداً ، واحفظني بالاِسلام راقداً ، ولا تشمت بي عدواً حاسداً . اللهم إني أسألك من كل خير خزائنه بيدك ، وأعوذ بك من كل شر خزائنه بيدك . هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه .
هذا ما تيسر لنا تتبعه من الاَحاديث الدالة على وجود الاِنسان في عوالم قبل الدنيا . وفيها بحوث شريفة في عدد هذه العوالم وترتيبها وصفاتها ، قلما تعرض المتكلمون والمفسرون لبحثها .
وفيها بحوث أخرى في امتحان الاِنسان فيها واختياره الكفر أو الاِيمان قبل وصوله إلى عالم الاَرض . وقد بحثها المفسرون والمتكلمون في باب الجبر والاِختيار، والقضاء والقدر .
( 89 )ـ قال المجلسي رحمه الله في بحار الاَنوار ج 5 ص 260
بيان : إعلم أن أخبار هذا الباب من متشابهات الاَخبار ومعضلات الآثار ، ولاَصحابنا رضي الله عنهم فيها مسالك :
منها ، ما ذهب إليه الاَخباريون ، وهو أنا نؤمن بها مجملاً ، ونعترف بالجهل عن حقيقة معناها ، وعن أنها من أي جهة صدرت ، ونرد علمها إلى الاَئمة عليهم السلام .
ومنها ، أنها محمولة على التقية لموافقتها لروايات العامة ، ولما ذهبت إليه الاَشاعرة وهم جلهم ، ولمخالفتها ظاهراً لما مر من أخبار الاِختيار والاِستطاعة .
ومنها ، أنها كناية عن علمه تعالى بما هم إليه صائرون ، فإنه تعالى لما خلقهم مع علمه بأحوالهم فكأنه خلقهم من طينات مختلفة .
ومنها ، أنها كناية عن اختلاف استعداداتهم وقابلياتهم ، وهذا أمر بين لا يمكن إنكاره ، فإنه لا شبهة في أن النبي صلى الله عليه وآله وأبا جهل ليسا في درجة واحدة من الاِستعداد والقابلية ، وهذا لا يستلزم سقوط التكليف ، فإن الله تعالى كلف النبي صلى الله عليه وآله حسب ما أعطاه من الاِستعداد لتحصيل الكمالات ، وكلف أبا جهل حسب ما أعطاه من ذلك ، ولم يكلفه ما ليس في وسعه ، ولم يجبره على شيء من الشر والفساد .
ومنها ، أنه لما كلف الله تعالى الاَرواح أولاً في الذر وأخذ ميثاقهم فاختاروا الخير والشر باختيارهم في ذلك الوقت ، وتفرع اختلاف الطينة على ما اختاروه باختيارهم كما دل عليه بعض الاَخبار السابقة ، فلا فساد في ذلك .
ولا يخفى ما فيه وفي كثير من الوجوه السابقة ، وترك الخوض في أمثال تلك المسائل الغامضة التي تعجز عقولنا عن الاِحاطة بكنهها أولى ، لا سيما في تلك المسألة التي نهى أئمتنا عن الخوض فيها . ( مسألة القضا والقدر ) .
ولنذكر بعض ما ذكره في ذلك علماؤنا رضوان الله عليهم ومخالفوهم .
فمنها : ما ذكره الشيخ المفيد قدس الله روحه في جواب المسائل السروية حيث
( 90 )سئل : ما قوله ـ أدام الله تأييده ـ في معنى الاَخبار المروية عن الاَئمة الهادية عليهم السلام في الاَشباح وخلق الله تعالى الاَرواح قبل خلق آدم عليه السلام بألفي عام ، وإخراج الذرية من صلبه على صور الذر ، ومعنى قول رسول الله صلى الله عليه وآله : الاَرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف .
الجواب : وبالله التوفيق ، إن الاَخبار بذكر الاَشباح تختلف ألفاظها ، وتتباين معانيها ، وقد بنت الغلاة عليها أباطيل كثيرة ، وصنفوا فيها كتباً لغوا فيها ، وهزئوا فيما أثبتوه منه في معانيها ، وأضافوا ما حوته الكتب إلى جماعة من شيوخ أهل الحق وتخرصوا الباطل بإضافتها إليهم، من جملتها كتاب سموه كتاب ( الاَشباح والاَظلة ) نسبوه في تأليفه إلى محمد بن سنان، ولسنا نعلم صحة ما ذكروه في هذا الباب عنه . وإن كان صحيحاً فإن ابن سنان قد طعن عليه وهو متهم بالغلو ، فإن صدقوا في إضافة هذا الكتاب إليه فهو ضلال لضال عن الحق، وإن كذبوا فقد تحملوا أوزار ذلك .
والصحيح من حديث الاَشباح الرواية التي جاءت عن الثقاة بأن آدم عليه السلام رأى على العرش أشباحاً يلمع نورها فسأل الله تعالى عنها، فأوحى إليه أنها أشباح رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين والحسن والحسين وفاطمة صلوات الله عليهم ، وأعلمه أنه لولا الاَشباح التي رآها ما خلقه ولا خلق سماءً ولا أرضاً . والوجه فيما أظهره الله تعالى من الاَشباح والصور لآدم أن دله على تعظيمهم وتبجيلهم ، وجعل ذلك إجلالاً لهم ومقدمة لما يفترضه من طاعتهم ، ودليلاً على أن مصالح الدين والدنيا لا تتم إلا بهم ، ولم يكونوا في تلك الحال صوراً مجيبة ، ولا أرواحاً ناطقة ، لكنها كانت على مثل صورهم في البشرية ، يدل على ما يكونوا عليه في المستقبل في الهيئة ، والنور الذي جعله عليهم يدل على نور الدين بهم وضياء الحق بحججهم . وقد روي أن أسماءهم كانت مكتوبة إذ ذاك على العرش ، وأن آدم عليه السلام لما تاب إلى الله عز وجل وناجاه بقبول توبته سأله بحقهم عليه ومحلهم عنده فأجابه ، وهذا غير منكر في العقول ولا مضاد للشرع المنقول ، وقد رواه الصالحون الثقاة المأمونون ، وسلم لروايته طائفة
( 91 )الحق ، ولا طريق إلى إنكاره ، والله ولي التوفيق . انتهى .
ويدل كلام المفيد قدس سره أن الغلاة في عصره كانوا استغلوا أحاديث الاَشباح والظلال وبنوا عليها أباطيل تخالف مذهب أهل البيت عليهم السلام فشنع بسببها الخصوم على المذهب ، فنفى المفيد دعوى الخصوم وفي نفس الوقت أثبت أحاديث الاَشباح والظلال ، ثم فسرها بتفسير يفهمه العوام ولا يثير ثائرة الخصوم .
وقال في هامش الكافي ج 2 ص 3 :
الاَخبار مستفيضة في أن الله تعالى خلق السعداء من طينة عليين ( من الجنة ) وخلق الاَشقياء من طينة سجين ( من النار ) وكل يرجع إلى حكم طينته من السعادة والشقاء ، وقد أورد عليها : أولاً ، بمخالفة الكتاب . وثانياً ، باستلزام الجبر الباطل .
أما البحث الاَول ، فقد قال الله تعالى : هو الذى خلقكم من طين ، وقال : وبدأ خلق الاِنسان من طين ، فأفاد أن الاِنسان مخلوق من طين ، ثم قال تعالى : ولكل وجهة هو موليها .. الآية . وقال : ماأصاب من مصيبة في الاَرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها .. الآية . فأفاد أن للاِنسان غاية ونهاية من السعادة والشقاء ، وهو متوجه إليها سائر نحوها . وقال تعالى : كما بدأكم تعودون ، فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة ..الآية . فأفاد أن ما ينتهي إليه أمر الاِنسان من السعادة والشقاء هو ماكان عليه في بدء خلقه وقد كان في بدء خلقه طيناً ، فهذه الطينة طينة سعادة وطينة شقاء ، وآخرالسعيد إلى الجنة وآخرالشقي إلى النار ، فهما أولهما لكون الآخر هو الاَول ، وحينئذ صح أن السعداء خلقوا من طينة الجنة والاَشقياء خلقوا من طينة النار. وقال تعالى : كلا إن كتاب الاَبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون ، كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم ويل يومئذ للمكذبين .. الآيات . وهي تشعر بأن عليين وسجين هما ماينتهي اليه أمر الاَبرار والفجار من النعمة والعذاب ، فافهم .
وأما البحث الثاني ، وهو أن أخبار الطينة تستلزم أن تكون السعادة والشقاء لازمين
( 92 )حتميين للاِنسان ، ومعه لا يكون أحدهما اختيارياً كسبياً للاِنسان وهو الجبر الباطل .
والجواب عنه ، أن اقتضاء الطينة للسعادة أو الشقاء ليس من قبل نفسها بل من قبل حكمه تعالى وقضائه ماقضى من سعادة وشقاء ، فيرجع الاِشكال إلى سبق قضاء السعادة والشقاء في حق الاِنسان قبل أن يخلق ، وإن ذلك يستلزم الجبر . وقد ذكرنا هذا الاِشكال مع جوابه في باب المشيئة والاِرادة في المجلد الاَول من الكتاب ص150 ، وحاصل الجواب : أن القضاء متعلق بصدور الفعل عن اختيار العبد فهو فعل اختياري في عين أنه حتمي الوقوع ، ولم يتعلق بالفعل سواء اختاره العبد أو لم يختره ، حتى يلزم منه بطلان الاِختيار . وأما شرح ما تشمل عليه هذه الاَخبار تفصيلاً فأمر خارج عن مجال هذا البيان المختصر ، فليرجع فيه إلى مطولات الشروح والتعاليق والله الهادي .(الطباطبائي) انتهى .
ونختم بالقول : إن مسألة وجود الاِنسان في عوالم قبل عالم الاَرض ، أوسع مما بحثه المتكلون والفلاسفة ، وهي تحتاج إلى تتبع كامل وبحث دقيق في أحاديثها الشريفة ، للتوصل إلى عدد تلك العوالم وصفاتها ، ولا يبعد أنها تحل كثيراً من المشكلات ، ومنها مشكلة الجبر والاِختيار ، وقد تبين من مجموعها أن أخذ الميثاق تم من الذر المأخوذ من طين آدم كما في بعضها ، وفي عالم الظلال كما في بعضها ، ومن المحتمل أنه حصل في أكثر من عالم .
كما لا يصح استبعاد أن تكون الذرة إنساناً كاملاً عاقلاً بعد ما سمعنا عن عالم الذرة والجينات .
ولا يصح القول بأن عالم الذر هو عالم الملكوت وإن كان جزء من عالم الملكوت إلا من باب تسمية الجزء باسم الكل . والملكوت كما رأيت في آياته وأحاديثه شامل لعوالم الشهادة والغيب ، والبعد عن الله تعالى والحضور ، وعالم الذر أو الظلال واحد من عوالم الحضور .
|