متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
الامر الثاني : النظرة المصلحية
الكتاب : نشأة التشيع و الشيعة    |    القسم : مكتبة عقائد الشيعة

الامر الثاني : النظرة المصلحية

إن الامر الثاني الذي يمكن أن يفسر سلبية القائد تجاه مستقبل الدعوة ، ومصيرها بعد وفاته ، أنه على رغم شعوره بخطر هذا الموقف ، لا يحاول تحصين الدعوة ضد ذلك الخطر ، لانه ينظر الى الدعوة نظرة مصلحية ، فلا يهمه إلا أن يحافظ عليها ما دام حيا
 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 29 : -

ليستفيد منها ، ويستمتع بمكاسبها ، ولا يعنى بحماية مستقبلها بعد وفاته .

وهذا التفسير لا يمكن أن يصدق على النبي محمدا ( صلى الله عيه وآله ) ، حتى إذا لم نلاحظه بوصفه نبيا ومرتبطا بالله سبحانه وتعالى في كل ما يرتبط بالرسالة ، وافترضناه قائدا رساليا كقادة الرسالات الاخرى ، لان تاريخ القادة الرساليين لا

يملك نظيرا للقائد الرسول محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، في إخلاصه لدعوته ، وتفانيه فيها ، وتضحيته من أجلها الى آخر لحظة من حياته . وكل تاريخه يبرهن على ذلك ، فقد كان ( صلى الله عليه وآله ) على فراش الموت وقد ثقل مرضه ،

وهو يحمل هم معركة كان قد خطط لها ، وجهز جيش اسامة لخوضها ، فكان يقول : " جهزوا جيش اسامة ، أنفذوا جيش اسامة ، ارسلوا بعث اسامة " ، يكرر ذلك ، ويغمى عليه بين الحين والحين ( 23 ) ، فإذا كان اهتمام الرسول ( صلى الله

عليه وآله ) بقضية من قضايا الدعوة العسكرية يبلغ الى هذه الدرجة ، وهو يجود بنفسه على فراش الموت ، ولا يمنعه علمه بأنه سيموت قبل أن يقطف ثمار تلك المعركة ، عن تبنيه لها ، وإن تكون همه الشاغل وهو يلفظ أنفاسه الاخيرة ، فكيف يمكن

أن نتصور أن النبي لا يعيش هموم مستقبل الدعوة ، ولا يخطط لسلامتها ، بعد وفاته ( صلوات الله عليه ) من الاخطار المرتقبة ؟ ! وأخيرا فإن في سلوك الرسول ( صلى الله عليه وآله ) في مرضه
 

 

* ( هامش ) *
( 23 ) راجع : تاريخ الكامل / لابن الاثير / ج 2 / ص 318 ( الشهيد ) ،
وراجع ايضا الطبقات الكبرى لابن سعد / ج 2 / ص 249 . ( * )

 

 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 30 : -

الاخير رقما واحدا يكفي لنفي الطريق الاول ، وللتدليل على أن القائد الاعظم ، نبينا محمد ( صلى الله عليه وآله ) كان أبعد ما يكون من فرضية الموقف السلبي تجاه مستقبل الدعوة ، لعدم الشعور بالخطر ، أو لعدم الاهتمام بشأنه ، وهذا الرقم

أجمعت صحاح المسلمين جميعا - سنة وشيعة - على نقله ، وهو أن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) لما حضرته الوفاة ، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب ، قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : " ائنوني بالكتف والدواة أكتب لكم كتابا لن

تضلوا بعده أبدا " ( 24 ) فإن هذه المحاولة من القائد الكريم ، المتفق على نقلها وصحتها تدل بكل وضوح على أنه كان يفكر في أخطار المستقبل ، ويدرك بعمق ضرورة التخطيط لتحصين الامة من الانحراف ، وحماية الدعوة من التميع والانهيار ، فليس إذن من الممكن افتراض الموقف السلبي ( 25 ) من النبي ( صلى الله عليه وآله ) بحال من لاحوال .

 

 

* ( هامش ) *
( 24 ) راجع : صحيح البخاري / ج 1 / ص 37 كتاب العلم ج 8 / ص 61 كتاب الاعتصام ( الشهيد )
وراجع : صحيح مسلم / ج 5 / ص 76 باب الوصية / مطبعة محمد علي صبيح القاهرة : ( الشهيد )
مسند الامام احمد / ج 1 / ص 355 ،
وراجع الطبقات الكبرى / لابن سعد / ج 2 / ص 242 / 244 ( الشهيد ) .


( 25 ) إن كل مسلم يؤمن بعظمة شخصية الرسول القائد ( صلى الله عليه وآله ) ، فضلا عن إيمانه بأنه نبي الله ، يقيضيه ذلك الايمان استبعاد مثل هذه الفرضية مطلقا ، بل يلزم القول بامتناعها في حقه عليه الصلاة والسلام ، وذلك لسببين على الاقل :

أولهما : إنه خلاف المعهود من سيرته صلوات الله وسلامه عليه بإجماع الملة ، تلك السيرة المشرقة الزاخرة بالعمل والجهاد المتواصل بلا انقطاع من أجل التغيير والبناء وانقاذ الامة .

وثانيهما : إنه مخالف لما تواتر عنه صلوات الله وسلامه عليه ، ولما ربي الامة عليه ، من الاهتمام بالامور حتى قال : " من أصبح ولم يهتم بإمور المسلمين فليس منهم " اصول الكافي / ج 2 / ص 131 . ولذا يكون اهماله الاهتمام بمستقبل الدعوة ، ومستقبل الامة يعني الاخلال الصريح بمصداقيته وعهوده .


 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net