متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
رؤية الله في الأحاديث النبوية
الكتاب : أضواء على عقائد الشيعة الإمامية و تاريخهم (3)    |    القسم : مكتبة عقائد الشيعة

 9 - رؤية الله في الأحاديث النبوية

قد تعرفت على موقف الكتاب من رؤيته سبحانه ، وأنه كلما يذكر الرؤية وسؤالها وطلبها كان يستعظم ذلك ويستفظعه إجمالا ، وعندما يطرحها تفصيلا يعدها أمرا محالا ، كما عرفت أن ما تمسك به القائلون بجواز الرؤية من الآيات لا يدل على ما يدعون .

بقي الكلام في الروايات الواردة حول الرؤية في الصحاح والمسانيد ، ودلالتها على المطلوب واضحة كما ستوافيك ، لكن الكلام في حجية الروايات التي تعارض الذكر الحكيم وتباينه ، فإذا كان الكتاب العزيز مهيمنا على سائر الكتب فلماذا لا يكون مهيمنا على السنن المروية عن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، التي دونت بعد مضي 341 سنة من رحيله ( صلى الله عليه وآله ) ولم تصن عن دس الأحبار والرهبان ، قال سبحانه : ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ ) ( المائدة / 48 ) وقال  

- ص 101 -

تعالى : ( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) ( النمل / 76 ). 

ولا يعني ذلك ، حذف السنة من الشريعة ورفع شعار حسبنا كتاب الله ، بل يعني التأكد من صحتها ثم التمسك بها في مقام العمل .

وإليك ما ورد في الصحاح حول الرؤية :
روى البخاري في باب الصراط جسر جهنم بسنده عن أبي هريرة قال : قال أناس : يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال : هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب ؟ قالوا : لا يا رسول الله ، قال : هل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب ؟ قالوا : لا يا رسول الله ، قال : فإنكم ترونه يوم القيامة ، كذلك يجمع الله الناس فيقول : من كان يعبد شيئا فليتبعه ، فيتبع من كان يعبد الشمس ، ويتبع من كان يعبد القمر ، ويتبع من كان يعبد الطواغيت ، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها ، فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون ، فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : نعوذ بالله منك ، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا أتانا ربنا عرفناه ، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون ، فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : أنت ربنا فيتبعونه ويضرب جسر جهنم . . . إلى أن يقول : ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار فيقول : يا رب قد قشبني ريحها ، وأحرقني ذكاوها ، فاصرف وجهي عن النار ، فلا يزال يدعو الله فيقول : لعلك إن أعطيتك أن تسألني غيره ، فيقول : لا وعزتك لا أسألك غيره ، فيصرف وجهه عن النار ، ثم يقول بعد ذلك : يا رب قربني إلى باب الجنة ، فيقول : أليس قد زعمت أن لا تسألني غيره ؟ ويلك ابن آدم ما أغدرك ، فلا يزال يدعو فيقول : لعلي إن أعطيتك
 

- ج 1  ص 102 -

ذلك تسألني غيره ، فيقول : لا وعزتك لا أسألك غيره ، فيعطي الله من عهود ومواثيق أن لا يسأله غيره ، فيقربه إلى باب الجنة ، فإذا رأى ما فيها سكت ما شاء الله أن يسكت ، ثم يقول : ربي أدخلني الجنة ، ثم يقول : أو ليس قد زعمت أن لا تسألني غيره ، ويلك يا ابن آدم ما أغدرك ، فيقول : يا رب لا تجعلني أشقى خلقك ، فلا يزال يدعو حتى يضحك ( الله ) ، فإذا ضحك منه أذن له بالدخول فيها . . . الحديث ( 1 ). 
ورواه مسلم في صحيحه
عن أبي هريرة ، مع اختلاف يسير ( 2 ). 

ورواه أيضا عن أبي سعيد الخدري باختلاف غير يسير في المتن وفيه : حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله تعالى من بر وفاجر أتاهم رب العالمين سبحانه وتعالى في أدنى صورة من التي رأوه فيها ، قال : فما تنتظرون تتبع كل أمة ما كانت تعبد ، قالوا : يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم ، فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : نعوذ بالله منك ، لا نشرك بالله شيئا ، مرتين أو ثلاثا ، حتى أن بعضهم ليكاد أن ينقلب ، فيقول : هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها ؟ فيقولون : نعم ، فيكشف عن ساق ، فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه ، إلا أذن الله له بالسجود ، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة ، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه . . . الحديث ( 3 ). 

وقد نقل الحديث في مواضع من الصحيحين بتلخيص ، ورواه

 

( 1 ) البخاري ، الصحيح 8 : 117 باب الصراط جسر جهنم .
( 2 ) صحيح مسلم 1 : 113 باب معرفة طريق الرؤية .
( 3 ) صحيح مسلم 1 : 115 باب معرفة طريق الرؤية
. ( * )

 
 

- ص 103 -

أحمد في مسنده ( 1 ). 

تحليل الحديث إن هذا الحديث مهما كثرت رواته وتعددت نقلته لا يصح الركون إليه في منطق الشرع والعقل بوجوه
 1 - إنه خبر واحد لا يفيد شيئا في باب الأصول والعقائد ، وإن كان مفيدا في باب الفروع والأحكام ، إذ المطلوب في الفروع هو الفعل والعمل ، وهو أمر ميسور سواء أذعن العامل بكونه مطابقا للواقع أو لا ، بل يكفي قيام الحجة على لزوم تطبيق العملة عليه ، ولكن المطلوب في العقائد هو الإذعان وعقد القلب ونفي الريب والشك عن وجه الشئ ، وهو لا يحصل من خبر الواحد ولا من خبر الاثنين ، إلا إذا بلغ إلى حد يورث العلم والإذعان ، وهو غير حاصل بنقل شخص أو شخصين .

 2 - إن الحديث مخالف للقرآن ، حيث يثبت لله صفات الجسم ولوازم الجسمانية كما سيوافيك بيانه عن السيد الجليل شرف الدين ( رحمه الله ) .

 3 - ماذا يريد الراوي في قوله : فيأتي الله في غير الصورة التي يعرفون ، فيقول : أنا ربكم ؟ فكأن لله سبحانه صورا متعددة يعرفون بعضها وينكرون البعض الآخر ، وما ندري متى عرفوا التي عرفوها ، فهل كان ذلك منهم في الدنيا ، أو كان في البرزخ ، أم في الآخرة ؟ 4 - ماذا يريد الراوي من قوله : فيقولون : نعم ، فيكشف عن ساق ،

 

( 1 ) مسند أحمد بن حنبل 2 : 368  .( * ) 

 
 

- ص 104 -

فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه . . . ؟ فإن معناه أن المؤمنين والمنافقين يعرفونه سبحانه بساقه ، فكانت هي الآية الدالة عليه .

 5 - كفى في ضعف الحديث ما علق عليه العلامة السيد شرف الدين ( رحمه الله ) حيث قال : إن الحديث ظاهر في أن لله تعالى جسما ذا صورة مركبة تعرض عليها الحوادث من التحول والتغير ، وأنه سبحانه ذو حركة وانتقال ، يأتي هذه الأمة يوم حشرها ، وفيها مؤمنوها ومنافقوها ، فيرونه بأجمعهم ماثلا لهم في صورة غير الصورة التي كانوا يعرفونها من ذي قبل ، فيقول لهم : أنا ربكم ، فينكرونه متعوذين بالله منه ، ثم يأتيهم مرة ثانية في الصورة التي يعرفون ، فيقول لهم : أنا ربكم ، فيقول المؤمنون والمنافقون جميعا : نعم أنت ربنا ، وإنما عرفوه بالساق إذ كشف لهم عنها ، فكانت هي آيته الدالة عليه ، فيتسنى حينئذ السجود للمؤمنين منهم دون المنافقين ، وحين يرفعون رؤوسهم يرون الله ماثلا فوقهم بصورته التي يعرفون لا يمارون فيه ، كما كانوا في الدنيا لا يمارون في الشمس والقمر ، ماثلين فوقهم بجرميهما النيرين ليس دونهما سحاب ، وإذا به بعد هذا يضحك الرب ويعجب من غير معجب ، كما هو يأتي ويذهب ، إلى آخر ما اشتمل عليه الحديثان مما لا يجوز على الله تعالى ، ولا على رسوله ، بإجماع أهل التنزيه من أشاعرة وغيرهم ، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ( 1 ).

* * * *

 

( 1 ) كلمة حول الرؤية : 65 ، وهي رسالة قيمة في تلك المسألة ، وقد مشينا في ضوئها ، رحم الله مؤلفها رحمة واسعة . ( * )

 
 

- ص 105 -

 2 - روى البخاري في كتاب الصلاة ، باب مواقيت الصلاة وفضيلتها ، عن قيس ( ابن أبي حازم ) عن جرير قال : كنا عند النبي ( صلى الله عليه وآله ) فنظر إلى القمر ليلة - يعني البدر - فقال : إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته ، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ، ثم قرأ : وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ( 1 ). 

وحديث قيس بن أبي حازم مع كونه معارضا للكتاب ضعيف سندا وإن رواه الشيخان ، ويكفي فيه وقوع قيس بن أبي حازم في سنده الذي ترجمه ابن عبد البر وقال : قيس بن أبي حازم الأخمسي جاهلي إسلامي لم ير النبي ( صلى الله عليه وآله ) في عهده وصدق إلى مصدقه وهو من كبار التابعين مات سنة ثمان أو سبع وتسعين وكان عثمانيا ( 2 ). 

وقال الذهبي : قيس بن أبي حازم عن أبي بكر وعمر ثقة حجة كاد أن يكون صحابيا ، وثقه ابن معين والناس ، وقال علي بن عبد الله بن يحيى بن سعيد : منكر الحديث ثم سمى له أحاديث استنكرها ، وقال يعقوب الدوسي : تكلم فيه أصحابنا فمنهم من حمل عليه ، وقال : له مناكير فالذين أطروه عدوها غرائب ، وقيل : كان يحمل على علي ( رضي الله عنه ) ، إلى أن قال : والمشهور أنه كان يقدم عثمان ، وقال إسماعيل : كان ثبتا ، قال :

 

( 1 ) البخاري ، الصحيح 1 : 111 - 115 الباب 26 و 35 من أبواب مواقيت الصلاة ط . مصر ; ورواه مسلم في صحيحه ، لاحظ صحيح مسلم بشرح النووي 5 : 136 ; وغيرهما .
( 2 ) ابن عبد البر ، الإستيعاب 3 برقم 2126
 .( * ) 

 
 

- ص 106 -

وقد كبر حتى جاوز المائة وخرف ( 1 ). 

وقد تقدم أن العدل والتنزيه علويان ، كما أن الجبر والتشبيه أمويان ، وهل يصح في ميزان النصفة الأخذ برواية رجل عثماني الهوى ، معرضا عن الإمام علي ( عليه السلام ) ، وعاش حتى خرف ؟ أو أن الواجب ضربها عرض الحائط .

* * *

 

( 1 ) الذهبي ، ميزان الاعتدال 3 : برقم 6908 .


 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net