رؤية الله في الذكر الحكيم دراسة أدلة المثبتين
7 - الآية الأولى : إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ
استدل القائلون بجواز الرؤية بآيات متعددة والمهم فيها هو الآية التالية ، أعني قوله سبحانه : ( كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ) ( القيامة / 20 - 25 ).
يقول الشارح القوشجي في شرحه لتجريد الإعتقاد : إن النظر إذا كان بمعنى الانتظار يستعمل بغير صلة ويقال انتظرته ، وإذا كان بمعنى التفكر يستعمل بلفظة في ، وإذا كان بمعنى الرأفة يستعمل بلفظة اللام ، وإذا كان بمعنى الرؤية استعمل بلفظة إلى ، فيحمل على الرؤية ( 1 ).
أقول : لقد طال الجدال حول ما هو المقصود من النظر في الآية ، بين مثبتي الرؤية ونافيها ، ولو أتينا بأقوالهم لطال بنا المقام ، فإن
|
( 1 ) القوشجي ، شرح التجريد : 334 .( * ) |
| |
المثبتين يركزون على أن الناظرة بمعنى الرؤية ، كما أن نافيها يفسرونها بمعنى الانتظار ، مع أن تسليم كونه بمعنى الرؤية غير مؤثر في إثبات مدعيها كما سيظهر ، والحق عدم دلالتها على جواز رؤية الله بتاتا ، وذلك لأمرين : الأول : أنه سبحانه استخدم كلمة وجوه لا عيون ، فقسم الوجوه إلى قسمين : وجوه ناضرة ، ووجوه باسرة ، ونسب النظر إلى الوجوه لا العيون ، فلو كان المراد هو الرؤية لكان المتعين استخدام العيون بدل الوجوه ، والعجب أن المستدل غفل عن هذه النكتة التي تحدد معنى الآية وتخرجها عن الإبهام والتردد بين المعنيين ، وأنت لا تجد في الأدب العربي القديم ولا الحديث موردا نسب فيه النظر إلى الوجوه وأريد منه الرؤية بالعيون والأبصار ، بل كلما أريد منه الرؤية نسب إليهما .
الثاني : لا نشك أن الناظرة في قوله ( إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) بمعنى الرائية ، ونحن نوافق المثبتين بأن النظر إذا استعمل مع إلى يكون بمعنى الرؤية ، لكن الذي يجب أن نلفت إليه نظر المستدل هو أنه ربما يكون المعنى اللغوي ذريعة لتفهيم معنى كنائي ، ويكون هو المقصود بالأصالة لا المدلول اللغوي ، فلو قلنا : زيد كثير الرماد ، فالجملة مستعملة في معناها اللغوي ، ولكن كثرة الرماد مراد استعمالي لا جدي ، والمراد الجدي هو ما اتخذ المعنى الاستعمالي وسيلة لإفهامه للمخاطب ، والمراد هنا هو جوده وسخاؤه وكثرة إطعامه ، فإذا قال الرجل : زيد كثير الرماد ، فلا نقول : إن القائل أخبرنا عن كثرة الرماد في
بيت زيد الذي يعد أوساخا ملوثة لبيته ، فيكون قد ذمه دون أن يمدحه ، بل يجب علينا أن نقول : بأنه أخبر عن جوده وسخائه ، والعبرة في النسبة المراد الجدي لا الاستعمالي ، وهذه هي القاعدة الكلية في تفسير كلمات الفصحاء والبلغاء .
والآن سنوضح مفاد الآية ونبين ما هو المراد الاستعمالي والجدي فيها ، وذلك لا يعلم إلا برفع إبهام الآية بمقابلها ، فنقول : إن هناك ستة آيات تقابلها ثلاثة ، وهي كالآتي :
1 -( كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ ) يقابلها : ( وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ ) .
2 -( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ) يقابلها : ( وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَة ) .
3 -( إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) يقابلها : ( تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ) .
فلا شك أن الآيات الأربع الأول واضحة لا خفاء فيها ، وإنما الإبهام وموضع النقاش هو الشق الأول من التقابل الثالث ، فهل المراد منه جدا هو الرؤية ، أو أنها كناية عن انتظار الرحمة ؟
والذي يعين أحد المعنيين هو الشق الثاني من التقابل الثالث ، أعني ( تظن أن يفعل بها فاقرة ) فهو صريح في أن أصحاب الوجوه الباسرة ينتظرون العذاب الكاسر لظهرهم ، ويظنون نزوله .
وهذا الظن لا ينفك عن الانتظار ، فكل ظان لنزول العذاب منتظر ، فيكون قرينة على أن أصحاب الوجوه المشرقة ينظرون إلى ربهم ، أي يرجون رحمته ، وهذا ليس تصرفا في
الآيات ولا تأويلا لها ، وإنما هو رفع الإبهام عن الآية بالآية المقابلة لها ، وترى ذلك التقابل والانسجام في آيات أخرى ، غير أن الجميع سبيكة واحدة .
1 -( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ) يقابلها : ( ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ ) .
2 -( وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ) يقابلها : ( تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ) ( 1 ). فإن قوله ( ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ ) قائم مقام قوله ( إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) فيرفع إبهام الثاني بالأول .
3 -( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ) يقابلها : ( عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ) ( الغاشية / 2 - 4 ).
4 -( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ ) يقابلها : ( لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ) الغاشية / 8 - 10 ).
أنظر إلى الانسجام البديع ، والتقابل الواضح بينهما ، والهدف الواحد ، حيث الجميع بصدد تصنيف الوجوه يوم القيامة ، إلى ناضر ومسفر ، وناعم وإلى باسر ، وأسود ( غبرة ) وخاشع .
أما جزاء الصنف الأول فهو الرحمة والغفران ، وتحكيه الجمل التالية : إلى ربها ناظرة ، ضاحكة مستبشرة ، في جنة عالية .
وأما جزاء الصنف الثاني فهو العذاب والابتعاد عن الرحمة ،
|
( 1 ) عبس : 38 - 40 .( * ) |
| |
وتحكيه الجمل التالية : تظن أن يفعل بها فاقرة ، ترهقها قترة ، تصلى نارا حامية .
أفبعد هذا البيان يبقى شك في أن المراد من ( إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) هو انتظار الرحمة ! ! والقائل بالرؤية يتمسك بهذه الآية ، ويغض النظر عما حولها من الآيات ، ومن المعلوم أن هذا من قبيل محاولة إثبات المدعى بالآية ، لا محاولة الوقوف على مفادها .
ويدل على ذلك أن كثيرا ما تستخدم العرب النظر بالوجوه في انتظار الرحمة أو العذاب ، وإليك بعض ما ورد في ذلك : وجوه بها ليل الحجاز على الهوى إلى ملك كهف الخلائق ناظرة وجوه ناظرات يوم بدر إلى الرحمن يأتي بالفلاح فلا نشك أن قوله : وجوه ناظرات بمعنى رائيات ، ولكن النظر إلى الرحمن هو كناية عن انتظار النصر والفتح . إني إليك لما وعدت لناظر نظر الفقير إلى الغني الموسر فلا ريب أن اللفظين في الشعر وإن كانا بمعنى الرؤية ، ولكن نظر الفقير إلى الغني ليس بمعنى النظر بالعين ، بل الصبر والانتظار حتى يعينه .
قال سبحانه : ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَـئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ( آل عمران / 77 )، والمراد من قوله : ( لاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ ) هو طردهم عن ساحته وعدم شمول رحمته لهم وعدم تعطفه عليهم ، لا عدم مشاهدته إياهم ، لأن رؤيته وعدمها ليس أمرا مطلوبا لهم
حتى يهددوا بعدم نظره سبحانه إليهم ، بل الذي ينفعهم هو وصول رحمته إليهم ، والذي يصح تهديدهم به هو عدم شمول لطفه لهم ، فيكون المراد عدم تعطفه إليهم ، على أن تفسير قوله ( لاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ ) ب لا يراهم يستلزم الكفر ، فإنه سبحانه يرى الجميع ( وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ ) .
والحاصل : أن النظر إذا أسند إلى العيون يكون المعنى بالمراد الاستعمالي والجدي هو الرؤية على أقسامها ، وإذا أسند إلى الشخص كالفقير أو إلى الوجوه فيراد به الرؤية استعمالا والانتظار جدا .
ثم إن لصاحب الكشاف هنا كلمة جيدة ، حيث يقول بهذا الصدد : يقال : أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي يريد معنى التوقع والرجاء ، ومن هذا القبيل قوله : وإذا نظرت إليك من ملك والبحر دونك زدتني نعما وقال : سمعت سروية مستجدية بمكة وقت الظهر حين يغلق الناس أبوابهم ويأوون إلى مقائلهم تقول : عيينتي نويظرة إلى الله وإليكم ، تقصد راجية ومتوقعة لإحسانهم إليها ، كما هو معنى قولهم : أنا أنظر إلى الله ثم إليك ، وأتوقع فضل الله ثم فضلك ( 1 ).
|
( 1 ) الزمخشري ، الكشاف 3 : 294 .( * ) | |
|