رؤية الله في الذكر الحكيم دراسة أدلة النافين
5 - الآية الثانية : وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا
قال سبحانه : ( يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ) ( طه / 109 - 110 ).
إن الآية تتركب من جزئين : الأول : قوله : ( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ) . الثاني : قوله : ( وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ) . والضمير المجرور في قوله : ( به ) يعود إلى الله سبحانه .
ومعنى الآية : الله يحيط بهم لأنه ( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ) ويكون معادلا لقوله : ( وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ ) ولكنهم ( وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ) . ويساوي قوله ( لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ )
وأما كيفية الاستدلال فبيانها أن الرؤية سواء أوقعت على جميع الذات أم على جزئها ، فهي نوع إحاطة علمية من البشر به سبحانه ، وقد قال : ( وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ) .
ولكن الرازي لأجل التهرب من دلالة الآية على امتناع رؤيته سبحانه قال : بأن الضمير المجرور يعود إلى قوله : ( مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ) أي لا يحيطون بما بين أيديهم وما خلفهم ، والله سبحانه محيط بما بين أيديهم وما خلفهم .
أقول : إن الآية تحكي عن إحاطته العلمية سبحانه يوم القيامة بشهادة ما قبلها ( يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ) ، وعندئذ يكون المراد من الموصول في قوله سبحانه : ( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ) هو الحياة الأخروية الحاضرة ، وقوله سبحانه : ( وَمَا خَلْفَهُمْ ) هو الحياة الدنيوية الواقعة خلف الحياة الأخروية ، وحينئذ لو رجع الضمير في قوله ( وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ) إلى الموصولين يكون مفاد الآية عدم إحاطة البشر بما يجري في النشأتين ، وهو أمر واضح لا حاجة إلى التركيز عليه ، وهذا بخلاف ما إذا رجع إلى الله ، فستكون الآية بصدد التنزيه ويكون المقصود أن الله يحيط بهم علما وهؤلاء لا يحيطون كذلك ، على غرار سائر الآيات .
|