رؤية الله في الذكر الحكيم دراسة أدلة النافين
4 - الآية الأولى : لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ قد عرفت تعبير الكتاب عن الرؤية إجمالا ، وأنه يعد طلب الرؤية وسؤالها أمرا فظيعا ، قبيحا ، موجبا لنزول الصاعقة والعذاب ، والآيات السالفة وضحت موقف الكتاب من هذه المسألة لكن على وجه الإجمال ، غير أنا إذا استنطقنا ما سبق من الآيات ، نقف على قضاء الكتاب في أمر الرؤية على وجه التفصيل .
وقد عقدنا هذا الفصل لدراسة بعض ما سبق وتحليله .
قال سبحانه : ( ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) ( الأنعام / 102 - 103 ) والاستدلال بالآية يتوقف على البحث في مرحلتين : المرحلة الأولى : في بيان مفهوم الدرك لغة :
الدرك في اللغة اللحوق والوصول وليست بمعنى الرؤية ، ولو أريد منه الرؤية فإنما هو باعتبار قرينية المتعلق . قال ابن فارس : الدرك له أصل واحد ( أي معنى واحد ) وهو لحوق الشئ بالشئ ووصوله إليه ، يقال : أدركت الشئ ، أدركه إدراكا ، ويقال : أدرك الغلام والجارية إذا بلغا ، وتدارك القوم : لحق آخرهم أولهم ، فأما قوله تعالى : ( بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ ) ( النمل / 66 ) فهو من هذا ، لأن علمهم أدركهم في الآخرة حين لم ينفعهم ( 1 ).
وقال ابن منظور مثله ، وأضاف : ففي الحديث أعوذ بك من درك الشقاء أي لحوقه ، يقال : مشيت حتى أدركته ، وعشت حتى أدركته ، وأدركته ببصري أي رأيته ( 2 ).
إذا كان الدرك بمعنى اللحوق والوصول فله مصاديق كثيرة ، فالإدراك بالبصر التحاق من الرائي بالمرئي بالبصر ، والإدراك بالمشي ، كما في قول ابن منظور : مشيت حتى أدركته ، التحاق الماشي بالمتقدم بالمشي ، وهكذا غيره .
فإذا قال سبحانه : ( لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ ) يتعين ذلك المعنى الكلي ( اللحوق والوصول ) بالرؤية ، ويكون معنى الجملة أنه سبحانه تفرد بهذا الوصف تعالى عن الرؤية دون غيره . المرحلة الثانية : في بيان مفهوم الآيتين :
|
( 1 ) ابن فارس ، مقاييس اللغة 2 : 366 .( 2 ) ابن منظور ، اللسان 10 : 419 .( * ) |
| |
أنه سبحانه لما قال : ( وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ) ربما يتبادر إلى بعض الأذهان أنه إذا صار وكيلا على كل شيء ، يكون جسما قائما بتدبير الأمور الجسمانية ، لكن يدفعه بأنه سبحانه مع كونه وكيلا لكل شيء ( لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ ) .
وعندما يتبادر من ذلك الوصف إلى بعض الأذهان أنه إذا تعالى عن تعلق الأبصار فقد خرج عن حيطة الأشياء الخارجية وبطل الربط الوجودي الذي هو مناط الإدراك والعلم بينه وبين مخلوقاته ، يدفعه قوله : ( وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ ) ثم تعليله بقوله : ( وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) واللطيف هو الرقيق النافذ في الشيء و الخبير من له الخبرة الكاملة ، فإذا كان تعالى محيطا بكل شيء لرقته ونفوذه في الأشياء ، كان شاهدا على كل شيء ، لا يفقده ظاهر كل شيء وباطنه ، ومع ذلك فهو عالم بظواهر الأشياء وبواطنها من غير أن يشغله شيء عن شيء أو يحتجب عنه شيء بشيء . وبعبارة أخرى أن الأشياء في مقام التصور على أصناف : 1 - ما يرى ويرى كالإنسان . 2 - ما لا يرى ولا يرى كالأعراض النسبية كالأبوة والنبوة . 3 - ما يرى ولا يرى كالجمادات . 4 - ما يرى ولا يرى وهذا القسم تفرد به خالق جميع الموجودات بأنه يرى ولا يرى ، والآية بصدد مدحه وثنائه بأنه جمع بين الأمرين يرى ولا يرى لا بالشق الأول وحده نظير قوله سبحانه : ( فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ ) ( الأنعام / 14 ) ودلالة الآية على أنه سبحانه
لا يرى بالأبصار بمكان من الوضوح غير أن للرازي ومن لف لفه تشكيكات نأتي بها مع تحليلها :
الشبهة الأولى : أن الآية في مقام المدح ، فإذا كان الشيء في نفسه تمتنع رؤيته فلا يلزم من عدم رؤيته مدح وتعظيم للشيء ، أما إذا كان في نفسه جائز الرؤية ثم إنه قدر على حجب الأبصار عن رؤيته وعن إدراكه ، كانت هذه القدرة الكاملة دالة على المدح والعظمة ، فثبت أن هذه الآية دالة على أنه جائز الرؤية حسب ذاته ( 1 ).
إن هذا التشكيك يحط من مقام الرازي ، فهو أكثر عقلية من هذا التشكيك ، وذلك لأنه زعم أن المدح بالجملة الأولى ، أعني قوله سبحانه : ( لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ ) وغفل عن أن المدح بمجموع الجزئين المذكورين في الآية ، بمعنى أنه سبحانه لعلو منزلته لا يدرك وفي الوقت نفسه يدرك غيره ، وهذا ظاهر لمن تأمل في الآية ونظيرتها قوله سبحانه : يطعم ولا يطعم ، فهل يرضى الرازي بأنه سبحانه يمكن له الأكل والطعم .
الشبهة الثانية : إن لفظ الأبصار صيغة جمع دخل عليها الألف واللام فهو يفيد الاستغراق ، فقوله : ( لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ ) بمعنى لا تراه جميع الأبصار ،
|
( 1 ) الرازي ، مفاتيح الغيب 1 3 : 125 .( * ) |
| |
وهذا يفيد سلب العموم ولا يفيد عموم السلب ( 1 ).
يلاحظ عليه : أن المتبادر في المقام كما في نظائره هو عموم السلب أي لا يدركه أحد من ذوي الأبصار ، نظير قوله سبحانه : ( إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ ) ( البقرة / 190 ) وقوله سبحانه : ( فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ) ( آل عمران / 32 ) وقوله سبحانه : ( وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) ( آل عمران / 57 ).
يقول الإمام علي ( عليه السلام ) : الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون ، ولا يحصي نعماءه العادون ، ولا يؤدي حقه المجتهدون ، الذي لا يدركه بعد الهمم ، ولا يناله غوص الفطن ( 2 ).
فهل يحتمل الرازي في هذه الآيات والجمل سلب العموم وأنه سبحانه لا يحب جميع المعتدين والكافرين والظالمين ، ولكن يحب بعض المعتدين والكافرين والظالمين ، أو أن بعض القائلين يبلغون مدحته ويحصون نعماءه .
وهذا دليل على أن الموقف المسبق للرازي هو الذي دفعه لدراسة القرآن لأجل دعمه ، وهو آفة الفهم الصحيح من الكتاب .
الشبهة الثالثة : الإدراك هو الإحاطة إن هذه الشبهة ذكرها ابن حزم في فصله والرازي في مفاتيح
|
( 1 ) الرازي ، مفاتيح الغيب 13 : 126 . |
( 2 ) نهج البلاغة ، الخطبة الأولى . ( * ) |
| |
الغيب وابن قيم في كتاب حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ( 1 ) ، وقد أسهبوا الكلام في تطوير الشبهة ، ولا يسع المقام لنقل عباراتهم كلها ، وإنما نشير إلى المهم من كلماتهم .
وبما أن الأساس لكلام هؤلاء هو ابن حزم الظاهري نذكر نص كلامه أولا . قال : إن الإدراك في اللغة يفيد معنى زائدا عن النظر ، وهو بمعنى الإحاطة ، وليس هذا المعنى في النظر والرؤية ، فالإدراك ( الإحاطة ) فيض عن الله تعالى على كل حال في الدنيا والآخرة ، والدليل على ذلك قوله سبحانه : ( فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ) ، ففرق الله عز وجل بين الإدراك والرؤية فرقا جليا ، لأنه تعالى أثبت الرؤية بقوله : ( فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ ) ، وأخبر تعالى بأنه رأى بعضهم بعضا فصحت منهم الرؤية لبني إسرائيل ، ولكن نفى الله الإدراك بقول موسى ( عليه السلام ) لهم : ( كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ) ، فأخبر تعالى أنه رأى أصحاب فرعون بني إسرائيل ولم يدركوهم ، ولا شك في أن ما نفاه الله تعالى غير الذي أثبته ، فالإدراك غير الرؤية والحجة لقولنا قول الله تعالى ( 2 ).
يلاحظ عليه : أن الشبهة تعرب عن أن صاحبها لم يقف على كيفية الاستدلال بالآية على نفي الرؤية ، فزعم أن أساسه هو كون الإدراك
|
( 1 ) وقبلهم الطبري كما سيوافيك نصه في خاتمة المطاف . ( 2 ) ابن حزم ، الفصل في الملل والنحل 3 : 32 ; ولاحظ : ابن القيم ، حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح : 229 .( * ) |
| |
في اللغة بمعنى الرؤية ، فرد عليه بأنه ليس بمعنى الرؤية ، بشهادة أنه سبحانه جمع في الآية بين إثبات الرؤية ونفي الدرك ، ولكنه غفل عن أن مبدأ الاستدلال ليس ذلك ، وقد قلنا سابقا : إن الإدراك في اللغة بمعنى اللحوق والوصول وليس بمعنى الرؤية ابتداء ، وإنما يتعين في النظر والرؤية حسب المتعلق ، ولأجل ذلك لو جرد عن المتعلق - كما في الآية - لا يكون بمعنى الرؤية ، ولذلك جمع فيها بين الرؤية ونفي الدرك ، لأن الدرك هناك بحكم عدم ذكر المتعلق كالبصر ، بمعنى اللحوق والوصول ، فقد وقع الترائي بين الفريقين ، ورأى فرعون وأصحاب بني إسرائيل ، ولكن لم يدركوهم أي لم يلحقوهم .
وعلى ضوء ذلك إذا جرد عن المتعلق مثل البصر والسمع يكون بمعنى اللحوق ، وإذا اقترن بمتعلق مثل البصر يتعين في النظر والرؤية ، لكن على وجه الإطلاق من غير تقيد بالإحاطة .
فبطل قوله : بأن الإدراك يدل على معنى زائد على النظر وهو الإحاطة ، بل الإدراك مجردا عن القرينة لا يدل على الرؤية أبدا ، ومع اقتران القرينة ووجود المتعلق يدل على الرؤية والنظر على وجه الإطلاق من غير نظر إلى الفرد الخاص من الرؤية .
وبذلك يظهر أن ما أطنب به الرازي في كلامه لا يرجع إلى شيء ، حيث قال : لا نسلم إن إدراك البصر تعبير عن الرؤية ، بل هو بمعنى الإحاطة ، فالمرئي إذا كان له حد ونهاية وأدركه البصر بجميع حدوده وجوانبه ونهاياته صار كأن ذلك الإبصار إحاطة به فسمى هذه الرؤية إدراكا ، أما إذا لم يحط البصر بجوانب المرئي لم تسم تلك الرؤية إدراكا ،
فالحاصل أن الرؤية جنس تحتها نوعان ، رؤية مع الإحاطة ورؤية لا مع الإحاطة ، والرؤية مع الإحاطة هي المسماة بالإدراك ، فنفي الإدراك يفيد نفي نوع واحد من نوعي الرؤية ، ونفي النوع لا يوجب نفس الجنس ، فلم يلزم من نفي الإدراك عن الله تعالى نفي الرؤية عنه .
ثم قال : فهذا وجه حسن مقبول في الاعتراض على كلام الخصم ( 1 ).
ويلاحظ عليه بأن ما ذكره الرازي كان افتراء على اللغة للحفاظ على المذهب ، وهذا أشبه بتفسير القرآن بالرأي ، ولولا أن الرازي من أتباع المذهب الأشعري لما تجرأ بذلك التصرف .
ونحن بدورنا نسأله : ما الدليل على أن الإدراك إذا اقترن بالبصر يكون بمعنى الإدراك الإحاطي ، مع أننا نجد خلافه في الأمثلة التالية ، نقول : أدركت طعمه أو ريحه أو صوته ، فهل هذه بمعنى أحطنا إحاطة تامة بها ، أو أنه بمعنى مجرد الدرك بالأدوات المذكورة من غير اختصاص بصورة الإحاطة ، مثل قولهم أدرك الرسول ، فهل هو بمعنى الإحاطة بحياته أو يراد منه إدراكه مرة أو مرتين ، ولم يفسره أحد من أصحاب المعاجم بما ذكره الرازي .
وحاصل الكلام : أن اللفظة إذا اقترنت ببعض أدوات الإدراك كالبصر والسمع يحمل المعنى الكلي أي اللحوق والوصول ، على الرؤية والسماع ، سواء كان الإدراك على وجه الإحاطة أو لا ، وأما إذا تجردت
|
( 1 ) الرازي ، مفاتيح الغيب 13 : 127 .( * ) |
| |
اللفظة عن القرينة تكون بمعنى نفس اللحوق ، قال سبحانه : ( حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) ( يونس / 90 ) ومعنى الآية : ( حتى إذا لحقه الغرق ) ورأى نفسه غائصا في الماء استسلم وقال : ( آمنت . . . ) .
وقال سبحانه : ( فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى ) ( طه / 77 )، أي لا تخاف لحوق فرعون وجيشه بك وبمن معك من بني إسرائيل .
وقال سبحانه : ( فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ) ( الشعراء / 61 ) فأثبت الرؤية ونفى الدرك ، وما ذلك إلا لأن الادراك إذا جرد عن المتعلق لا يكون بمعنى الرؤية بتاتا ، بل بمعنى اللحوق .
نعم إذا اقترن بالبصر يكون متمحضا في الرؤية من غير فرق بين نوع ونوع ، وتخصيصه بالنوع الإحاطي لأجل دعم المذهب افتراء على اللغة
****
|