3 - موقف الذكر الحكيم من أمر الرؤية
إن الذكر الحكيم يصف الله سبحانه بصفات تهدف جميعها إلى تنزيهه عن الجسم والجسمانية ، وأنه ليس له مثل ولا نظير ، ولا ند ولا كفو ، وأنه محيط بكل شيء ، ولا يحيطه شيء ، إلى غير ذلك من الصفات المنزهة التي يقف عليها الباحث إذا جمع الآيات الواردة في هذا المجال ، وبدورنا نشير إلى بعض منها : قال سبحانه :
1 - ( فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) ( الشورى / 11 ).
2 - ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) ( الإخلاص / 1 - 4 ).
3 - ( هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) ( الحديد / 3 ) .
4 - ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) ( الحديد / 4 ).
5 - ( هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) ( الحشر / 23 ).
6 - ( هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) ( الحشر / 24 ).
7 - ( مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) ( المجادلة / 7 ).
8 - ( أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاء رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ ) ( فصلت / 54 ).
9 - ( اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ) ( البقرة / 255 ).
10 - ( لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) ( الأنعام / 103 ).
وحصيلة هذه الآيات أنه لا يوجد في صفحة الوجود له مثل ، وهو أحد لا كفو له ، لم يلد ولم يولد ، بل هو أزلي ، فبما أنه أزلي الوجود ،
فوجوده قبل كل شيء أي لا وجود قبله . وبما أنه أبدي الوجود ، فهو آخر كل شيء إذ لا وجود بعده . وبما أنه خالق السماوات والأرض فالكون قائم بوجوده ، فهو باطن كل شيء ، كما أن النظام البديع دليل على وجوده ، فهو ظاهر كل شيء ، لا يحويه مكان ، لأنه خالق السماوات والأرض وخالق الكون والمكان ، فكان قبل أن يكون أي مكان .
وبما أن العالم دقيقه وجليله فقير محتاج إليه قائم به ، فهو مع الأشياء معية قيومية لا معية مكانية ، ومع الإنسان أينما كان . فلا يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ، وذلك مقتضى كونه قيوما وما سواه قائما به ، ولا يمكن للقيوم الغيبوبة عما قام به ، وفي النهاية هو محيط بكل شيء لا يحيطه شيء ، فقد أحاط كرسيه السماوات والأرض ، فالجميع محاط وهو محيط ، ومن كان بهذه المنزلة لا تدركه الأبصار الصغيرة الضعيفة ولا يقع في أفقها ، ولكنه لكونه محيطا يدرك الأبصار . هذه صفاته سبحانه في القرآن ذكرناه بإيجاز وأوردناها بلا تفسير .
وقد علمت أن من سمات العقيدة الإسلامية كونها عقيدة سهلة لا إبهام فيها ولا لغز ، فلو وجدنا شيئا في السنة أو غيرها ما يصطدم بهذه الصفات فيحكم عليه بالتأويل إن صح السند ، أو بالضرب عرض الجدار إن لم يصح .
فمن تلا هذه الآيات وتدبر فيها يحكم بأنه سبحانه فوق أن يقع في وهم الإنسان وفكره ومجال بصره وعينه ، وعند ذلك لو قيل له : إنه جاء في الأثر : إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون هذا ( البدر ) لا تضامون في رؤيته ( 1 ).
فسيجد أن هذا الكلام يناقض ما تلا من الآيات أو استمع إليها ، وسيشكك ويقول : إذا كان الخالق البارئ الذي هو ليس بجسم ولا جسماني ، لا يحويه مكان ومحيط بالسماوات والأرض ، فكيف يرى يوم القيامة كالبدر في جهة خاصة وناحية عالية مع أنه كان ولا علو ولا جهة ، بل هو خالقهما ، وأين هذه الرؤية من وصفه سبحانه بأنه لا يحويه مكان ولا يقع في جهة وهو محيط بكل شئ ؟ ! ولا يكون هذا التناقض بين الوصفين بأقل من التناقض الموجود في العقيدة النصرانية من أنه سبحانه واحد وفي الوقت نفسه ثلاثة .
وكلما حاول القائل بالرؤية الجمع بين العقيدتين ، لا يستطيع أن يرفع التعارض والاصطدام بين المعرفتين في أنظار المخاطبين بهذه الآيات والرواية ، ومن جرد نفسه عن المجادلات الكلامية والمحاولات الفكرية للجمع بين المعرفتين يرى التعريفين متصادمين ، فأين القول بأنه سبحانه بعيد عن الحس والمحسوسات منزه عن الجهة والمكان محيط بعوالم الوجود ، وفي نفس الوقت تنزله سبحانه منزلة الحس والمحسوسات ، واقعا بمرأى ومنظر من الإنسان يراه ويبصره كما يبصر
|
( 1 ) البخاري ، الصحيح 4 : 200 .( * ) |
| |
البدر ويشاهده في أفق عال . وقد عرفت في التمهيد أن السهولة في العقيدة والخلو من الألغاز هو من سمات العقيدة الإسلامية ، فالجمع بين المعرفتين كجمع النصارى بين كونه واحدا وثلاثا .
* * *
هذا من جانب ، ومن جانب آخر نرى أنه سبحانه كلما طرح مسألة الرؤية في القرآن الكريم فإنما يطرحها ليؤكد عجز الإنسان عن نيلها ، ويعتبر سؤالها وتمنيها من الإنسان أمرا فظيعا وقبيحا وتطلعا إلى ما هو دونه .
1 - قال سبحانه : ( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ( البقرة / 55 - 56 ).
2 - وقال سبحانه : ( يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُّبِينًا ) ( النساء / 153 ).
3 - وقال سبحانه : ( وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) ( الأعراف / 143 ).
4 - وقال سبحانه : ( وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا
أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ ) ( الأعراف / 155 ).
فالمتدبر في هذه الآيات يقضي بأن القرآن الكريم يستعظم الرؤية ويستفظع سؤالها ويقبحه ويعد الإنسان قاصرا عن أن ينالها على وجه ينزل العذاب عند سؤالها . فلو كانت الرؤية أمرا ممكنا ولو في وقت آخر ، لكان عليه سبحانه أن يتلطف عليهم بأنكم سترونه في الحياة الآخرة لا في الحياة الدنيا ، ولكنا نرى أنه سبحانه يقابلهم بنزول الصاعقة فيقتلهم ثم يحييهم بدعاء موسى ، كما أن موسى لما طلب الرؤية وأجيب بالمنع تاب إلى الله سبحانه وقال : أنا أول المؤمنين بأنك لا ترى .
فالإمعان بما ورد فيها من عتاب وتنديد ، بل وإماتة وإنزال عذاب ، يدل بوضوح على أن الرؤية فوق قابلية الإنسان ، وطلبه لها أشبه بالتطلع إلى أمر محال ، فعند ذلك لو قيل للمتدبر في الآيات إنه روى قيس بن أبي حازم أنه حدثه جرير وقال : خرج علينا رسول الله ليلة البدر فقال : إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته ( 1 ) ، يجد الحديث مناقضا لما ورد في هذه الآيات ويشك أنه كيف صار الأمر الممتنع أمرا ممكنا ، والإنسان غير المؤهل على الرؤية مؤهلا لها .
إن هنا محاولتين للتخلص من التضاد الموجود بين الآيات ،
|
( 1 ) البخاري ، الصحيح 4 : 200 .( * ) |
| |
وخبر قيس بن أبي حازم الدال على وقوع الرؤية في الآخرة :
المحاولة الأولى : إن تعارض الآيات والرواية من قبيل تعارض المطلق والمقيد ، فلا مانع من الجمع بينهما بحمل الأولى على الحياة الحاضرة ، والثانية على الحياة الآخرة ( 1 ).
يلاحظ عليه : بأن الجمع بين الآيات والرواية على نحو ما ذكر أشبه بمحاولة الفقيه إذا فوجئ بروايتين تكون النسبة بينهما هي العموم والخصوص المطلق ، فيجمع بينهما بحمل المطلق على المقيد . ولو صح ما ذكر فإنما هو في المسائل الفرعية لا العقائدية ، وليست الآيات الواردة فيها كالمطلق ، والحديث كالمقيد ، بل هي بصدد بيان العقيدة الإسلامية على أنه سبحانه فوق أن تناله الرؤية ، وأن من تمناها فإنما يتمنى أمرا محالا .
والدافع إلى هذا الجمع إنما هو تزمتهم بالروايات وتلقيهم صحيح البخاري وغيره صحيحا على الاطلاق لا يقبل النقاش والنقد ، فلم يكن لهم محيص من معاملة الروايات والآيات معاملة الاطلاق والتقييد ، ولأجل ذلك فكلما تليت هذه الآيات للقائلين بالجواز يجيبون بأن الجميع يعود إلى هذه الدنيا ولا صلة له بالآخرة ، ولكنهم غافلون عن أن الآيات تهدف في تنديدها وتوبيخها إلى ملاحظة طلب نفس الرؤية
|
( 1 ) يظهر ذلك الجواب عن أكثر المتأولين لآيات النفي حيث يقدرونها بالدنيا . ( * ) |
| |
بما هي هي ، بغض النظر عن الدنيا والآخرة ، ولا صلة لها بظرف السؤال ، فحمل تلك الآيات على ظرف خاص تلاعب بالكتاب العزيز وتقديم للسنة على القرآن ، واعتماد على الظن مكان وجود القطع واليقين . وأيمن الله لو لم يكن في الصحاح حديث قيس بن أبي حازم وغيره لما كان لديهم أي وازع على تأويل الآيات .
المحاولة الثانية : لقد تصدى أبو الحسن الأشعري للإجابة عن الآيات الأخيرة وزعم أن الاستعظام إنما كان لطلبهم الرؤية تعنتا وعنادا ، قال : إن بني إسرائيل سألوا رؤية الله عز وجل على طريق الإنكار لنبوة موسى وترك الإيمان به حتى يروا الله لأنهم قالوا : ( لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ) فلما سألوه الرؤية على طريق ترك الإيمان بموسى ( عليه السلام ) حتى يريهم الله من غير أن تكون الرؤية مستحيلة عليه ، كما استعظم الله سؤال أهل الكتاب أن ينزل عليهم كتابا من السماء من غير أن يكون ذلك مستحيلا ، ولكن لأنهم أبوا أن يؤمنوا بنبي الله حتى ينزل عليهم من السماء كتابا ( 1 ).
يلاحظ عليه أولا : أن ما ذكره من أن الاستعظام لأجل كون طلبهم كان عن عناد وتعنت لا لطلب معجزة زائدة ، لو صح فإنما يصح في غير هذه الآيات ، أعني في قوله سبحانه : ( وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلَا
|
( 1 ) الإبانة عن أصول الديانة : 15 ط . دار الطباعة المنيرية ، القاهرة . ( * ) |
| |
أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا ) ( الفرقان / 21 )، لا فيما تلوناه من الآيات ، فإن الظاهر منها أن الاستعظام والإستفظاع راجعان إلى نفس السؤال بشهادة قوله : ( فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ) ( النساء / 153 )، والذي يوضح ذلك أن التوبيخ والتنديد راجعان إلى نفس السؤال - مع غض النظر عن سبب السؤال ، وهل هو لغاية زيادة العلم أو للعتو ؟ - أمور : 1 - إنه سبحانه سمى سؤالهم ظلما وتعديا عن الحد . 2 - إن موسى سمى سؤالهم سؤالا سفهيا . 3 - عندما طلب موسى الرؤية أجيب بالخيبة والحرمان ، ولم يكن سؤاله عن عناد واستكبار ، ولو كانت الخيبة مختصة بالدنيا ، كان عليه سبحانه الرجوع إليه بالعطف والحنان بأنها غير ممكنة في هذه الدار وسوف تراني في الآخرة .
وثانيا : إنه سبحانه وإن جمع في آية سورة النساء ( 1 ) ، بين نزول الكتاب من السماء عليهم ، ورؤية الله جهرة ، لكن كون الأول أمرا ممكنا لا يكون دليلا على كون الثاني مثله ، وذلك لأن وجه الشبه بين الأمرين ليس الإمكان أو الاستحالة حتى يكونا مشاركين فيهما ، بل هو طلب أمر عظيم ، وشيء ليسوا مستأهلين له ، فلا يكون إمكان الأول دليلا على إمكان الثاني .
|
( 1 ) النساء : 153 .( * ) |
| |
على أن قوله سبحانه ( فقد سألوا موسى أكبر من ذلك ) مشير إلى الفرق بين الطلبين مع المشاركة في أمر الاستعظام وهو استحالة الثاني دون الأول ، ولذا أسماه أكبر . وبذلك يقف على ضعف ما ذكره الرازي في تفسيره ، لكونه مأخوذا من كلام إمامه الأشعري . ونقل كلام أبي الحسين المعتزلي في كتاب التصفح وناقشه بوجه غير تام ( 1 ).
|
( 1 ) الرازي ، مفاتيح الغيب 3 : 85 .( * ) | |
|