متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
الرؤية في منطق العلم و العقل
الكتاب : أضواء على عقائد الشيعة الإمامية و تاريخهم (3)    |    القسم : مكتبة عقائد الشيعة

 2 - الرؤية في منطق العلم والعقل

إن الرؤية في منطق العلم والعقل لا تتحقق إلا إذا كان الشيء مقابلا أو حالا في المقابل من غير فرق بين تفسيرها حسب رأي القدماء أو حسب العلم الحديث ، فإن القدماء كانوا يفسرون الرؤية على النحو التالي : خروج الشعاع من العين وسقوطه على الأشياء ثم انعكاسه عن الأشياء ورجوعه إلى العين لكي تتحقق الرؤية .

ولكن العلم الحديث كشف بطلان هذا التفسير وقال : إنها صدور الأشعة من الأشياء ودخولها إلى العين عن طريق عدستها وسقوطها على شبكية العين فتحقق الرؤية .

وعلى كل تقدير فالضرورة قاضية على أن الإبصار بالعين متوقف على حصول المقابلة بين العين والمرئي أو حكم المقابلة ، كما في رؤية الصور في المرآة .

- ص 35 -

وهذا أمر تحكم به الضرورة وإنكاره مكابرة واضحة ، فإذا كانت ماهية الرؤية هي ما ذكرناه فلا يمكن تحققها فيما إذا تنزه الشيء عن المقابلة أو الحلول في المقابل .

وبعبارة واضحة : أن العقل والنقل اتفقا على كونه سبحانه ليس بجسم ولا جسماني ولا في جهة ، والرؤية فرع كون الشيء في جهة خاصة ، وما شأنه هذا لا يتعلق إلا بالمحسوس لا بالمجرد .

ثم إن الرازي أراد الخدش في هذا الأمر البديهي ولكنه رجع خائبا ، واعترض على هذا الاستدلال بوجهين : الأول : أن ادعاء الضرورة والبداهة على امتناع رؤية الموجود المنزه عن المكان والجهة أمر باطل ، لأنه لو كان بديهيا لكان متفقا عليه بين العقلاء ، وهذا غير متفق عليه بينهم ، فلا يكون بديهيا ، ولذلك لو عرضنا قضية أن الواحد نصف الاثنين لا يختلف فيه اثنان ، وليست القضية الأولى في البداهة في قوة القضية الثانية ( 1 ). 

يلاحظ عليه : بأنه خفى على الرازي بأن للبداهة مراتب مختلفة ، فكون نور القمر مستفادا من الشمس قضية بديهية ، ولكن أين هذه البداهة من بداهة قولنا : الواحد نصف الاثنين ، أضف إلى ذلك أن العقلاء متفقون على لزوم المقابلة أو حكمها على تحقق الرؤية ، وإنما خالف فيه أمثال من خالف القضايا البديهية كالسوفسطائيين ، حيث ارتابوا في وجودهم وعلومهم وأفعالهم مع أنهم كانوا يعدون من

 

( 1 ) الرازي ، الأربعون : 190 ; ولاحظ أيضا مفاتيح الغيب 13 : 130 .( * ) 

 
 

- ص 36 -

الطبقات العليا في المجتمع اليوناني .

الثاني : أن المقابلة شرط في الرؤية في الشاهد ، فلم قلتم إنه في الغائب كذلك . وتحقيقه هو أن ذات الله تعالى مخالفة بالحقيقة والماهية لهذه الحوادث ، والمختلفات في الماهية لا يجب استواؤها في اللوازم ، فلم يلزم من كون الادراك واجبا في الشاهد عن حضور هذه الشرائط ، كونه واجبا في الغائب عند حضورها ( 1 ). 

هذا كلامه في كتاب الأربعين ، ويقول في تفسيره : ألم تعلموا إن ذاته تعالى مخالفة لسائر الذوات ، ولا يلزم من ثبوت حكم في شئ ثبوت مثل ذلك الحكم فيما يخالفه ، والعجب أن القائلين بالامتناع يدعون الفطنة والكياسة ولم يتنبه أحد لهذا السؤال ، ولم يخطر بباله ركاكة هذا الكلام ( 2 ). 

يلاحظ عليه : أن الرازي غفل عن أن الرؤية من الأمور الإضافية القائمة بالرائي والمرئي ، فالتقابل من لوازم الرؤية بما هي هي ، فاختلاف المرئي في الماهيات كاختلاف الرائي في كونه حيوانا أو إنسانا لا مدخلية له في هذا الموضوع ، فافتراض نفس الرؤية وتعلقها بالشيء وغض النظر عن الرائي وخصوصيات المرئي يجرنا إلى القول : بأن الرؤية رهن التقابل أو حكمه ، وذلك لأن الموضوع لحكم العقل من لزوم المقابلة في الرؤية هو نفسها بما هي هي ، والموضوع متحقق في

 

( 1 ) الرازي ، الأربعون : 190 - 191 ، وانظر أيضا : 217 ، 218 ، 313 .
(  2 ) الرازي ، مفاتيح الغيب 13 : 130
 .( * )

 
 

- ص 37 -

الشاهد والغائب ، والمادي والمجرد ، فاحتمال انتقاض الحكم باختلاف المرئي يناقض ما حكم به بأن الرؤية بما هي هي لا تنفك عن التقابل ، فإنه أشبه بقول القائل : إن نتيجة 2 + 2 هو الأربعة ، لكن إذا كان المعدود ماديا لا مجردا ، ويرد بأن الموضوع نفس اجتماع العددين وهو متحقق في كلتا الصورتين .

ثم ماذا يقصد ( الرازي ) من الغائب ؟ هل يقصد الموجود المجرد عن المادة ولوازمها ؟ فبداهة العقل تحكم بأن المنزه عن الجسم والجسمانية والجهة والمكان لا يتصور أن يقع طرفا للمقابلة ، وإن أراد منه الغائب عن الأبصار مع احتمال كونه جسما أو ذا جهة ، فذلك إبطال للعقيدة الإسلامية الغراء التي تبنتها الأشاعرة وكذلك الرازي نفسه في غير واحد من كتبه الكلامية وفي غير موضع في تفسيره .

ولقائل أن يسأل الرازي : أنه لو وقعت الرؤية على ذاته سبحانه فهل تقع على كله أو بعضه ؟ فلو وقعت على الكل تكون ذاته محاطة لا محيطة ، وهذا باطل بالضرورة ، ولو وقعت على الجزء تكون ذاته ذا جزء مركب .

ومما ذكرنا تتبين ركاكة ما استدل به الرازي على كلامه .

المحاولة اليائسة في تجويز الرؤية :

إن مفكري الأشاعرة الذين لهم أقدام راسخة في المسائل العقلية لما وقعوا في تناقض من جراء هذا الدليل ذهبوا إلى الجمع بين الرؤية والتنزيه ، وإليك بيان ذلك :

- ص 38 -

 1 - الرؤية بلا كيف : هذا العنوان هو الذي يجده القارئ في كتب الأشاعرة ، وربما يعبر عنه خصومهم بالبلكفة ، ومعناه أن الله تعالى يرى بلا كيف وأن المؤمنين في الجنة يرونه بلا كيف ، أي منزها عن المقابلة والجهة والمكان .

يلاحظ عليه : أن تمني الرؤية بلا مقابلة ولا جهة ولا مكان ، أشبه برسم أسد بلا رأس ولا ذنب على جسم بطل ، فالرؤية التي لا يكون المرئي فيها مقابلا للرائي ولا متحققا في مكان ولا متحيزا في جهة كيف تكون رؤيته بالعيون والأبصار .

والحق أن اعتماد الأشاعرة على أهل الحديث في قولهم بلا كيف مهزلة لا يعتمد عليها ، فإن الكيفية ربما تكون من مقومات الشيء ، ولولاها لما كان له أثر ، فمثلا عندما يقولون : إن لله يدا ورجلا وعينا وسمعا بلا كيف ويصرحون بوجود واقعيات هذه الصفات حسب معانيها اللغوية لكن بلا كيفية ، فإنه يلاحظ عليه ، بأن اليد في اللغة العربية وضعت للجارحة حسب ما لها من الكيفية ، فإثبات اليد لله بالمعنى اللغوي مع حذف الكيفية ، يكون مساويا لنفي معناه اللغوي ، ويكون راجعا إلى تفسيره بالمعاني المجازية التي تفرون منها فرار المزكوم من المسك ، ومثله القدم والوجه .

وبعبارة أخرى : أن الحنابلة والأشاعرة يصرون على أن الصفات الخبرية ، كاليد والرجل والقدم والوجه ، في الكتاب والسنة ، يجب أن تفسر بنفس معانيها اللغوية ، ولا يجوز لنا حملها على معانيها المجازية ، كالقدرة في اليد مثلا ، ولما رأوا أن ذلك يلازم التجسيم التجأوا  

- ص 39 -

إلى قولهم يد بلا كيف ، ولكنهم ما دروا أن الكيفية في اليد والوجه وغيرهما مقومة لمفاهيمها ، فنفي الكيفية يساوق نفي المعنى اللغوي ، فكيف يمكن الجمع بين المعنى اللغوي والحمل عليه بلا كيف . ومنه يعلم حال الرؤية بالبصر والعين ، فإن التقابل مقوم لمفهومها ، فإثباتها بلا كيف يلازم نفي أصل الرؤية ، وقد عرفت أن الكلام في النظر بالبصر والرؤية بالعين ، لا الرؤية بالقلب أو في النوم . وقد أوضحنا حال الصفات الخبرية في بحوثنا الكلامية ( 1 ).

 2 - اختلاف الأحكام باختلاف الظروف : إن بعض المثقفين من الجدد لما أدركوا بعقولهم أن الرؤية لا تنفك عن الجهة التجأوا إلى القول بأن كل شيء في الآخرة غيره في الدنيا ، ولعل الرؤية تتحقق في الآخرة بلا هذا اللازم السلبي .

لكن هذا الكلام رجم بالغيب ، لأنه إن أراد من المغايرة بأن الآخرة ظرف للتكامل وأن الأشياء توجد في الآخرة بأكمل الوجوه وأمثلها ، فهذا لا مناقشة فيه ، يقول سبحانه : ( كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً ) ( البقرة / 25 ) ولكن إن أراد أن القضايا العقلية البديهية تتبدل في الآخرة إلى نقيضها فهذا يوجب انهيار النظم الكلامية والفلسفية والأساليب العلمية التي يعتمد عليها المفكرون من أتباع الشرائع وغيرهم ، إذ معنى ذلك أن النتائج المثبتة في

 

( 1 ) لاحظ بحوث في الملل والنحل 2 : 96 - 105 .( * ) 

 
 

- ص 40 -

جدول الضرب سوف تتبدل في الآخرة إلى ما يباينها فتكون نتيجة ضرب 2 ب 2 = 5 أو 10 أو 000 وأن قولنا : كل ممكن يحتاج إلى علة يتبدل في الآخرة إلى أن الممكن غني عن العلة . فعند ذلك لا يستقر حجر على حجر وتنهار جميع المناهج الفكرية ، ويصير الإنسان سوفسطائيا مائة بالمائة .

 3 - عدم الاكتراث بإثبات الجهة : إن أساتذة الجامعات الإسلامية في الرياض ومكة المكرمة والمدينة المنورة بدلا من أن يجهدوا أنفسهم في فهم المعارف ويتجردوا في مقام التحليل عن الآراء المسبقة ، نراهم يقدمون لشباب الجامعات وخريجيها دعما ماليا وفكريا لمواصلة البحوث حول الرؤية في محاولة لإثباتها وإثبات الجهة لله تعالى ، وإليك نموذج من ذلك :

يقول الدكتور أحمد بن محمد خريج جامعة أم القرى : إن إثبات رؤية حقيقية بالعيان من غير مقابلة أو جهة ، مكابرة عقلية ، لأن الجهة من لوازم الرؤية ، وإثبات اللزوم ونفي اللازم مغالطة ظاهرة . ومع هذا الاعتراف تخلص عن الالتزام بإثبات الجهة لله بقوله . إن إثبات صفة العلو لله تبارك وتعالى ورد في الكتاب والسنة في مواضع كثيرة جدا ، فلا حرج في إثبات رؤية الله تعالى من هذا العلو الثابت له تبارك وتعالى ، ولا يقدح هذا في التنزيه ، لأن من أثبت هذا أعلم البشر بما يستحق الله تعالى من صفات الكلمات . أما لفظ الجهة فهو من الألفاظ المجملة التي لم يرد نفيها ولا  

- ص 41 -

إثباتها بالنص فتأخذ حكم مثل هذه الألفاظ ( 1 ). 

ويلاحظ على هذا الكلام ما يلي :

 أولا : كيف ادعى أن الكتاب والسنة أثبتا العلو لله الذي هو مساوق للجهة ، فإن أراد قوله سبحانه : ( ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ) فقد حقق في محله بأن استواءه على العرش كناية عن استيلائه على السماوات والأرض وعدم عجزه عن التدبير . وأين هو من إثبات العلو لله ، فقد أوضحنا مفاد هذه الآيات في أسفارنا الكلامية ( 2 ). 

وإن أراد ما جمعه ابن خزيمة وأضرابه من حشويات المجسمة والمشبهة ، فكلها بدع يهودية أو مجوسية تسربت إلى المسلمين ويرفضها القرآن الكريم وروايات أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) .

\ ثانيا : إذا افترضنا صحة كونه موجودا في جهة عالية ينظر إلى السماوات والأرض فكيف يكون محيطا بكل شئ وموجودا مع كل شيء ، فإذا كان هذا معنى التنزيه فسلام على التجسيم . ونعم ما قال شاعر المعرة :

ويا موت زر إن الحياة ذميمة ويا نفس جدي إن دهرك هازل

فالذي تستهدفه رسالات السماء يتلخص في توحيده سبحانه ، وأنه واحد لا نظير له ولا مثيل أولا ، وتنزيهه سبحانه عن مشابهة الممكنات والموجودات ثانيا .

غير أن أصحاب الحديث بعد رحيل الرسول توغلوا في وحل

 

( 1 ) أحمد بن ناصر ، رؤية الله تعالى ، نشر معهد البحوث العلمية في مكة المكرمة : 61 .
( 2 ) الإلهيات 1 : 330 - 340
.( * ) 

 
 

- ص 42 -

حبائل الشرك والتجسيم وأبطلوا كلتا النتيجتين ، فقالوا بقدم القرآن وعدم حدوثه ، وأثبتوا بذلك مثلا لله في الأزلية وكونه قديما كقدمه سبحانه . وأثبتوا لله سبحانه العلو والجهة اغترارا ببعض الظواهر والأحاديث المستوردة ، فأبطلوا بذلك تنزيهه - سبحانه - وتعاليه عن مشابهة المخلوقات . فخالفوا رسالات السماء في موردين أصيلين :

التوحيد : بالقول بقدم القرآن .

التنزيه : بإثبات الجهة والرؤية . ( كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا )


 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net