1 - حقيقة التجسيم والتشبيه والجهة والرؤية
لما انتشر الإسلام في الجزيرة العربية ، ودخل الناس في الإسلام زرافات ووحدانا ، لم يجد اليهود والنصارى المتواجدون فيها محيصا إلا الاستسلام ، فدخلوا فيه متظاهرين به ، غير معتقدين غالبا إلا من شملتهم العناية الإلهية منهم وكانوا قليلين ، ولكن الأغلبية الساحقة منهم خصوصا الأحبار والرهبان بقوا على ما كانوا عليه من العقائد السابقة .
وبما أنهم كانوا من أهل الكتاب عارفين بما في العهدين من القصص والحكايات والأصول والعقائد ، عمدوا إلى نشرها بين المسلمين بخداع خاص ، وبطريقة تعليمية ، ولما كانت السذاجة تغلب على عامة المسلمين لذا تلقوهم كعلماء ربانيين ، يحملون العلم ، فأخذوا ما يلقونه إليهم بقلب واع ونية صادقة ، وبالتالي نشر هؤلاء في هذا الجو المساعد كل ما عندهم من القصص الانحرافية والعقائد
الباطلة ، خصوصا فيما يرجع إلى التجسيم والتشبيه وتصغير شأن الأنبياء في أنظار المسلمين ، بإسناد المعاصي الموبقة إليهم ، والتركيز على القدر وسيادته في الكون على كل شيء ، حتى على إرادة الله سبحانه ومشيئته ، ولم تكن رؤية الله بأقل مما سبق في تركيزهم عليها .
فما ترى في كتب الحديث قديما وحديثا من الأخبار الكثيرة حول التجسيم ، والتشبيه ، والقدر السالب للاختيار والرؤية ونسبة المعاصي إلى الأنبياء ، فكل ذلك من آفات المستسلمة من اليهود والنصارى . فقد حسبها المسلمون حقائق راهنة وقصصا صادقة فتلقوها بقبول حسن نشرها السلف بين الخلف ، ودام الأمر على ذلك .
ومن العوامل التي فسحت المجال للأحبار والرهبان لنشر ما في العهدين بين المسلمين ، النهي عن تدوين حديث الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ونشره ونقله والتحدث به أكثر من مائة سنة ، فأوجد الفراغ الذي خلفه هذا العمل أرضية مناسبة لظهور بدع يهودية ونصرانية وسخافات مسيحية وأساطير يهودية ، خصوصا من قبل الكهنة والرهبان.
فقد كان التحدث بحديث الرسول ( صلى الله عليه وآله ) أمرا مكروها ، بل محظورا من قبل الخلفاء إلى عصر عمر بن عبد العزيز ( 19 - 101 ه ) ، بل إلى عصر المنصور العباسي ( 341 ه ) ، ولكن كان المجال للتحدث بالأساطير من قبل هؤلاء أمرا مسموحا به ، فهذا هو تميم بن أوس الداري من رواة الأساطير ، وقد أسلم سنة تسع للهجرة ، وهو أول من قص بين المسلمين واستأذن عمر أن يقص على الناس قائما ، فأذن له ،
وكان يسكن المدينة ثم انتقل إلى الشام بعد قتل عثمان ( 1 ) .
ولما سمحت الظروف لمثل هذا الكتابي أن يتحدث بما تعلم في حياته السابقة ومنع من أراد التحدث بحديث الرسول ، لذا كان المجال خصبا لنشر الأساطير والعقائد الخرافية .
يقول الشهرستاني : وضع كثير من اليهود الذين اعتنقوا الإسلام أحاديث متعددة في مسائل التجسيم والتشبيه وكلها مستمدة من التوراة ( 2 ) .
وهذا هو المقدسي يتكلم عن وجود هذه العقائد بين عرب الجاهلية ، يقول : وكان فيهم من كل ملة ودين ، وكانت الزندقة والتعطيل في قريش ، والمزدكية والمجوسية في تميم ، واليهودية والنصرانية في غسان ، وعبادة الأوثان في سائرهم ( 3 ) .
قال ابن خلدون : إن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية ، وإذا تشوقوا إلى معرفة شئ مما تتوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ، ويستفيدونه منهم ، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى ، مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام وأمثالهم ، فامتلأت التفاسير من
|
( 1 ) ابن عبد البر ، الاستيعاب ، في هامش الإصابة ; وابن حجر ، الإصابة 1 : 189 ; والجزري ، أسد الغابة 1 : 215 ; والمتقي الهندي ، كنز العمال 1 : 281 برقم 29448 . |
|
( 2 ) الشهرستاني ، الملل والنحل 1 : 117 . |
( 3 ) المقدسي ، البدء والتاريخ 4 : 31 .( * ) | |
المنقولات عندهم وتساهل المفسرون في مثل ذلك وملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات ، وأصلها كلها كما قلنا من التوراة أو مما كانوا يفترون ( 1 ).
ولو أردنا أن ننقل كلمات المحققين حول الخسارة التي أحدثها اليهود والنصارى لطال بنا الكلام وطال مقالنا مع القراء . ومن أكابر أحبار اليهود الذين تظاهروا بالإسلام هو كعب الأحبار ، حيث خدع عقول المسلمين وحتى الخلفاء والمترجمين عنه من علماء الرجال ، وقد أسلم في زمن أبي بكر وقدم من اليمن في خلافة عمر ، فانخدع به الصحابة وغيرهم .
قال الذهبي : العلامة الحبر الذي كان يهوديا فأسلم بعد وفاة النبي ، وقدم المدينة من اليمن في أيام عمر ( رض ) ، وجالس أصحاب محمد ، فكان يحدثهم عن الكتب الإسرائيلية ويحفظ عجائب ، - إلى أن قال : - حدث عنه أبو هريرة ومعاوية وابن عباس ، وذلك من قبيل رواية الصحابي عن تابعي ، وهو نادر عزيز ، وحدث عنه أيضا أسلم مولى عمر وتبيع الحميري ابن امرأة كعب ، وروى عنه عدة من التابعين كعطاء بن يسار وغيره مرسلا ، وقع له رواية في سنن أبي داود والترمذي والنسائي ( 2 ).
وعرفه الذهبي أيضا في بعض كتبه بأنه من أوعية العلم ( 3 ).
|
( 1 ) ابن خلدون ، المقدمة : 439 . |
( 2 ) الذهبي ، سير أعلام النبلاء 3 : 489 . |
( 3 ) الذهبي ، تذكرة الحفاظ 1 : 52 .( * ) |
| |
فقد وجد الحبر الماكر جوا ملائما لنشر الأساطير والقصص الوهمية ، وبذلك بث سمومه القاتلة بين الصحابة والتابعين ، وقد تبعوه وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا .
وقد تنبه إلى جسامة الخسارة التي أحدثها ذلك الحبر لفيف من القدماء ، منهم ابن كثير في تفسيره ، حيث أنه بعدما أورد طائفة من الأخبار في قصة ملكة سبأ مع سليمان ، قال : والأقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب مما وجد في صحفهم ، كروايات كعب ووهب - سامحهما الله تعالى - في ما نقلاه إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل من الأوابد والغرائب والعجائب مما كان وما لم يكن ، ومما حرف وبدل وفسخ ، وقد أغنانا الله سبحانه عن ذلك بما هو أصح منه وأنفع وأوضح وأبلغ ( 1 ).
والذي يدل على عمق مكره وخداعه لعقول المسلمين أنه ربما ينقل شيئا من العهدين ، وفي الوقت ذاته نرى أن بعض الصحابة الذين تتلمذوا على يديه وأخذوا منه ينسب نفس ما نقله إلى الرسول ! والذي يبرر ذلك العمل حسن ظنهم وثقتهم به ، فحسبوا المنقول أمرا واقعيا ، فنسبوه إلى النبي زاعمين أنه إذا كان كعب الأحبار عالما به فالنبي أولى بالعلم منه . فإن كنت في شك من ذلك فاقرأ نصين في موضوع واحد أحدهما للإمام الطبري في تاريخه ينقله عن كعب الأحبار في حشر
|
( 1 ) ابن كثير ، التفسير ، قسم سورة النمل 3 : 339 .( * ) |
| |
الشمس والقمر يوم القيامة، والآخر للإمام ابن كثير صاحب التفسير ينقله عن أبي هريرة عن النبي الأكرم ، ومضمون الحديث ينادي بأعلى صوته بأنه موضوع مجعول على لسان الوحي ، نشره الحبر الخادع وقبله الساذج من المسلمين.
1 - قال الطبري : عن عكرمة ، قال : بينا ابن عباس ذات يوم جالس إذ جاءه رجل فقال : يا ابن عباس سمعت العجب من كعب الحبر يذكر في الشمس والقمر ، قال : وكان متكئا فاحتفز ثم قال : وما ذاك ؟ قال : زعم يجاء بالشمس والقمر يوم القيامة كأنهما ثوران عقيران فيقذفان في جهنم ، قال عكرمة : فطارت من ابن عباس شفة ووقعت أخرى غضبا ، ثم قال : كذب كعب ، كذب كعب ، كذب كعب ، ثلاث مرات ، بل هذه يهودية يريد إدخالها في الإسلام ، الله أجل وأكرم من أن يعذب على طاعته ، ألم تسمع قول الله تبارك وتعالى ( وسخر لكم الشمس والقمر دائبين ) ، إنما يعني دؤوبهما في الطاعة ، فكيف يعذب عبدين يثني عليهما أنهما دائبان في طاعته ؟ قاتل الله هذا الحبر وقبح حبريته ، ما أجرأه على الله وأعظم فريته على هذين العبدين المطيعين لله ، قال : ثم استرجع مرارا ( 1 ).
2 - قال ابن كثير : روى البزار ، عن عبد العزيز بن المختار ، قال : سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن في هذا المسجد - مسجد الكوفة - ، وجاء الحسن فجلس إليه فحدث ، قال : حدثنا أبو هريرة أن رسول
|
( 1 ) الطبري ، التاريخ 1 : 44 ط بيروت . ( * ) |
| |
الله ( ص ) قال : إن الشمس والقمر ثوران في النار عقيران يوم القيامة فقال الحسن : وما ذنبهما ؟ فقال : أحدثك عن رسول الله ( ص ) وتقول - أحسبه قال - : وما ذنبهما ، ثم قال : لا يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه ( 1 ).
ولما كان إسلام كعب الأحبار بعد رحيل الرسول ، لذلك تعذر عليه إسناد ما رواه من أساطير إلى النبي الأكرم ، ولو أنه أدرك شيئا من حياته ( صلى الله عليه وآله ) وإن كان قليلا لنسب تلك الأساطير إليه ، ولكن حالت المشيئة الإلهية دون أمانيه الباطلة ، ولكن أبا هريرة لما صحب النبي واستحسن الظن بكعب الأحبار ، وكان أستاذه في الأساطير نسب الرواية إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) .
هذا نموذج قدمته إلى القراء لكي يقفوا على دور الأحبار والرهبان في نشر البدع اليهودية والنصرانية بين المسلمين ، وأن لا يحسنوا الظن بمجرد النقل من دون التأكد من صحته .
هذا غيض من فيض وقليل من كثير مما لعب به مستسلمة اليهود والنصارى في أحاديثنا وأصولنا ، ولولا أنه سبحانه قيض في كل آونة رجالا مصلحين كافحوا هذه الخرافات وأيقظوا المسلمين من السبات ، لذهبت هذه الأساطير بروعة الإسلام وصفائه وجلاله . كعب الأحبار وتركيزه على التجسيم والرؤية :
|
( 1 ) تفسير ابن كثير 4 : 475 ط دار الإحياء . ( * ) |
| |
إن المتفحص فيما نقل عن ذلك الحبر يقف على أنه كان يركز على فكرتين يهوديتين :
الأولى فكرة التجسيم ، والثانية رؤية الله تعالى .
يقول عن الفكرة الأولى : أن الله تعالى نظر إلى الأرض فقال : إني واطئ على بعضك ، فاستعلت إليه الجبال ، وتضعضعت له الصخرة ، فشكر لها ذلك ، فوضع عليها قدمه فقال : هذا مقامي ومحشر خلقي ، وهذه جنتي وهذه ناري ، وهذا موضع ميزاني ، وأنا ديان الدين ( 1 ).
ففي هذه الكلمة الصادرة عن هذا الحبر تصريح على تجسيمه تعالى أولا ، وتركيز على أن الجنة والنار والميزان ستكون على هذه الأرض ، ومركز سلطانها سيكون على الصخرة ، وهذا من صميم الدين اليهودي المحرف . كما أنه ركز على الرؤية ، حيث أشاع فكرة التقسيم ، فقال : إن الله تعالى قسم كلامه ورؤيته بين موسى ومحمد ( ص ) ( 2 )، وعنه انتشرت هذه الفكرة ، أي فكرة التقسيم بين المسلمين .
ومن أعظم الدواهي أن الرجل تزلف إلى الخلفاء في خلافة عمر وعثمان وتحدث عن الكثير من القصص الخرافية ، وبعدما توفي عثمان تزلف إلى معاوية ونشر في عهده ما يؤيد به ملكه ودولته ، ومن كلماته في حق الدولة الأموية ، يقول : مولد النبي بمكة ، وهجرته بطيبة ، وملكه بالشام ( 3 ).
وبذلك أضفى على الدولة الأموية صبغة شرعية وجعل ملكهم وسلطتهم امتدادا لملك النبي وسلطته .
|
( 1 ) أبو تميم الأصفهاني ، حلية الأولياء 6 : 20 . ( 2 ) ابن أبي الحديد ، شرح نهج البلاغة 3 : 237 . |
( 3 ) الدارمي ، السنن 1 : 5 .( * ) | |
|