مصحف فاطمة :
لا شك أنه كان عند فاطمة مصحف ، حسبما تضافرت عليه الروايات ، ولكن المصحف ليس اسما مختصا بالقرآن ، حتى تختص بنت المصطفى بقرآن خاص ، وإنما كان كتابا فيه الملاحم والأخبار .
المصحف : من أصحف ، بمعنى ما جعل فيه الصحف ، وإنما سمي المصحف مصحفا ، لأنه جعل جامعا للصحف المكتوبة بين الدفتين . ولم يكن ذلك اللفظ علما للقرآن في عصر نزوله ، وإنما صار علما له بعد رحيل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال السيوطي : روى ابن أشتة في كتاب المصاحف أنه لما جمعوا القرآن فكتبوه في الورق قال أبو بكر : التمسوا له اسما ، فقال بعضهم : السفر ، وقال بعضهم : المصحف ، فإن الحبشة يسمونه المصحف قال : وكان أبو بكر أول من جمع
كتاب الله وسماه المصحف ( 1 ) .
وأما ما هو واقع هذا الكتاب ؟ فقد كشفت عنه الروايات المتضافرة عن أئمة أهل البيت ، وقد جمع قسما كبيرا منها العلامة الشيخ مصطفى قصير العاملي في دراسته كتاب علي ومصحف فاطمة . وإليك بعضها : 1 - روى أبو عبيدة عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : " . . . إن فاطمة مكثت بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) خمسة وسبعين يوما ، وكان دخلها حزن شديد على أبيها ، وكان جبرئيل ( عليه السلام ) يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها ، ويطيب نفسها ، ويخبرها عن أبيها ومكانه ، ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها ، وكان علي ( عليه السلام ) يكتب ذلك ، فهذا مصحف فاطمة " ( 2 ) .
2 - روى أبو حمزة عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : " مصحف فاطمة ما فيه شئ من كتاب الله ، وإنما هو شئ ألقي إليها بعد موت أبيها صلوات الله عليهما " ( 3 ) .
والعجب أن الدس الإعلامي قد اتخذ لفظ " مصحف فاطمة " ذريعة لاتهام الشيعة بأن عندهم قرآنا يسمى " مصحف فاطمة " ، وقد سعى غير واحد من دعاة التفرقة إلى نشر تلك الفكرة الخاطئة بين المسلمين ، ولكن خاب سعيهم ، فإن للحق دولة ، وللباطل جولة .
ولعل القارئ يسأل نفسه عن كون فاطمة محدثة تحدثها الملائكة ، كما ورد في الرواية السابقة ، غير أن فاطمة ( عليها السلام ) لا تقل شأنا عن مريم البتول ، ولا عن امرأة الخليل ، قال سبحانه : { وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ
|
( 1 ) السيوطي ، الإتقان في علوم القرآن 1 : 185 . ( 2 ) الكليني ، الكافي 1 : 241 . |
( 3 ) الصفار ، بصائر الدرجات : ص 195 ، ط مكتبة المرعشي . ( * ) |
| |
وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ } ( 1 ) إلى غير ذلك من الآيات الواردة في سورتي آل عمران ، ومريم . وهذه امرأة إبراهيم تسمع كلام الملك ، يقول سبحانه : { وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى . . . وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ } ( 2 ) .
فإذا كانت مريم وامرأة الخليل محدثتين ، ففاطمة سيدة نساء العالمين أولى بأن تكون محدثة .
|