أسئلة حول الخاتمية
هناك أسئلة حول الخاتمية تثار بين آن وآخر ، وهي بين سؤال قرآني وفلسفي وفقهي ، ونكتفي من الأول بواحد من الأسئلة .
السؤال الأول : تنصيص القرآن على أن جميع أهل الشرائع ينالون ثواب الله . إن القرآن الكريم ينص على أن المؤمنين بالله وباليوم الآخر من جميع الشرائع سينالون ثواب الله ، وأنه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، ومعنى ذلك أن جميع الشرائع السماوية تحفظ إلى جانب الإسلام ، وأن أتباعها ناجون شأنهم شأن من اعترف بالإسلام وصار تحت لوائه تماما ، وعلى ضوء هذا ، فكيف تكون الشريعة الإسلامية واقعة في آخر مسلسل الشرائع السماوية ؟ وكيف تكون رسالته خاتمة الشرائع ؟ وإليك ما يدل على ذلك حسب نظر السائل : 1 - قال سبحانه : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } ( 1 ) .
2 - { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } ( 2 ) .
3 - { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } ( 3 ) .
|
( 1 ) البقرة : 62 . |
( 2 ) المائدة : 69 . |
( 3 ) الحج : 17 . ( * ) |
| |
إن استنتاج بقاء شرعية الشرائع السماوية من هذه الآيات مبني على غض النظر عما تهدف إليه الآيات ، وذلك أن الآيات بصدد رد مزاعم ثلاثة كانت اليهود تتبناها ، لا بصدد بيان بقاء شرائعهم بعد بعثة الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) . وهي : 1 - فكرة " الشعب المختار " ! كانت اليهود والنصارى يستولون على المسلمين بل العالم بادعائهم فكرة " الشعب المختار " بل إن كل واحدة من هاتين الطائفتين : اليهود والنصارى ، كانت تدعي أنها أرقى أنواع البشر ، وكانت اليهود أكثرهم تمسكا بهذا الزعم وقد نقل عنهم سبحانه قولهم : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ . . . } ( 1 ) والله سبحانه يرد هذا الزعم بكل قوة عندما يقول : { فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم } ، وقد بلغت أنانية اليهود واستعلاؤهم الزائف حدا بالغا وكأنهم قد أخذوا على الله عهدا بأن يستخلصهم ويختارهم ، حيث قالوا : { وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً } ( 2 ) .
2 - الانتماء إلى اليهودية والنصرانية مفتاح الجنة ! قد كانت اليهود والنصارى تبثان وراء فكرة : " الشعب المختار " ، فكرة أخرى ، وهي : أن الجنة نصيب كل من ينتسب إلى بني إسرائيل أو يسمى مسيحيا ليس إلا ، وكأن الأسماء والانتساب مفاتيح للجنة ، قال سبحانه ناقلا عنهم : { وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى } ( 3 ) .
|
( 1 ) المائدة : 18 . |
( 2 ) البقرة : 80 . |
( 3 ) البقرة : 111 . ( * ) |
| |
ولكن القرآن يرد عليهم ويقول : { تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } ( 1 ) فإن قوله سبحانه : { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ } يعني الإيمان الخالص وقوله : { وَهُوَ مُحْسِنٌ } يعني العمل وفق ذلك الإيمان ، وكلتا الجملتين تدلان على أن السبيل الوحيد إلى النجاة يوم القيامة هو الإيمان والعمل لا الانتساب إلى اليهودية والنصرانية ، فليست المسألة مسألة أسماء ، وإنما هي مسألة إيمان صادق وعمل صالح .
3 - الهداية في اعتناق اليهودية والنصرانية ! وهذا الزعم غير الزعم الثاني ، ففي الثاني كانوا يقتصرون في النجاة بالانتماء إلى الأسماء ، وفي الأخير يتصورون أن الهداية الحقيقية تنحصر في الاعتناق باليهودية والنصرانية { وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ } ( 2 ) والقرآن الكريم يرد هذه الفكرة كما سبق ، ويقول إن الهداية الحقيقية تنحصر في الاقتداء بملة إبراهيم واعتناق مذهبه في التوحيد الخالص الذي أمر الأنبياء بإشاعته بين أممهم ، قال سبحانه : { قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } ( 3 ) وفي آية أخرى { مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } ( 4 ) .
نستخلص من كل هذه الآيات أن اليهود والمسيحيين وبخاصة القدامى منهم كانوا يحاولون - بهذه الأفكار الواهية - التفوق على البشر ، والتمرد على تعاليم الله ،
|
( 1 ) البقرة : 111 - 112 . |
( 2 ) البقرة : 135 . |
( 3 ) البقرة : 135 . |
( 4 ) آل عمران : 67 . ( * ) |
| |
والتخلص بصورة خاصة من الانضواء تحت لواء الإسلام ، مرة بافتعال أكذوبة " الشعب المختار " الذي لا ينبغي أن يخضع لأي تكليف ، ومرة أخرى بافتعال خرافة " الأسماء والانتساب " وادعاء النجاة بسبب ذلك ، والحصول على مغفرة الله وجنته وثوابه ، ومرة ثالثة بتخصيص " الهداية " وحصرها في الانتساب إلى إحدى الطائفتين بينما نجد أنه كلما مر القرآن على ذكر هذه المزاعم الخرافية أعلن بكل صراحة وتأكيد : أنه لا فرق بين إنسان وآخر إلا بتقوى الله ، فإن أكرمكم عند الله أتقاكم .
وأما النجاة والجنة فمن نصيب من يؤمن بالله ، ويعمل بأوامره دونما نقصان لا غير ، وهو بهذا يقصد تفنيد مزاعم اليهود والنصارى الجوفاء .
بهذا البحث حول الآيات الثلاث ( المذكورة في مطلع البحث ) نكشف بطلان الرأي القائل بأن الإسلام أقر - في هذه الآيات - مبدأ " الوفاق الإسلامي المسيحي واليهودي " تمهيدا لإنكار عالمية الرسالة الإسلامية وخاتميتها ، بينما نجد أن غاية ما يتوخاه القرآن - في هذه الآيات - إنما هو فقط نسف وإبطال عقيدة اليهود والنصارى ، وليعلن مكانه بأن النجاة إنما هي بالإيمان الصادق والعمل الصالح .
فلا استعلاء ولا تفوق لطائفة على غيرها من البشر مطلقا ، كما أن هذا التشبث الفارغ بالأسماء والدعاوى ليس إلا من نتائج العناد والاستكبار عن الحق . فليست الأسماء ولا الانتساب هي التي تنجي أحدا في العالم الآخر ، وإنما هو الإيمان والعمل الصالح ، وهذا الباب مفتوح في وجه كل إنسان يهوديا كان أو نصرانيا ، مجوسيا أو غيرهم .
ويوضح المراد من هذه الآية قوله سبحانه : { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ } ( 1 ) .
|
( 1 ) المائدة : 65 . ( * ) |
| |
فتصرح الآية بانفتاح هذا الباب بمصراعيه في وجه البشر كافة من غير فرق بين جماعة دون جماعة ، حتى أن أهل الكتاب لو آمنوا بما آمن به المسلمون لقبلنا إيمانهم وكفرنا عنهم سيئاتهم . هذا هو كل ما كان يريد القرآن بيانه من خلال هذه الآيات ، وليس أي شئ آخر . إذن فلا دلالة لهذه الآيات الثلاث على إقرار الإسلام لشرعية الشرائع بعد ظهوره . . . وإنما تدل على أن القرآن يحاول بها إبطال بعض المزاعم .
|