متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
المسألة العاشرة : السجود على الأرض
الكتاب : أضواء على عقائد الشيعة الإمامية و تاريخهم (2)    |    القسم : مكتبة عقائد الشيعة

المسألة العاشرة : السجود على الأرض

لعل من أوضح مظاهر العبودية والانقياد والتذلل من قبل المخلوق لخالقه ، هو السجود ، وبه يؤكد المؤمن عبوديته المؤكدة لله تعالى ، ومن هنا فإن البارئ عز اسمه يقدر لعبده هذا التصاغر وهذه الطاعة ، فيضفي على الساجد فيض لطفه وعظيم إحسانه ، لذا روي في بعض المأثورات : " أقرب ما يكون العبد إلى ربه حال سجوده " .

ولما كانت الصلاة من بين العبادات معراجا يتميز بها المؤمن عن الكافر ، وكان السجود ركنا من أركانها ، فليس هناك أوضح في إعلان التذلل لله تعالى من السجود على التراب والرمل والحجر والحصى ، لما فيه من تذلل أوضح وأبين من السجود على الحصر والبواري ، فضلا عن السجود على الألبسة الفاخرة والفرش الوثيرة والذهب والفضة ، وإن كان الكل سجودا ، إلا أن العبودية تتجلى في الأول بما لا تتجلى في غيره .

والإمامية ملتزمة بالسجدة على الأرض في حضرهم وسفرهم ، ولا يعدلون عنها إلا إلى ما أنبت منها من الحصر والبواري بشرط أن لا يؤكل ولا يلبس ، ولا

- ص 499 -

يرون السجود على غيرهما صحيحا في حال الصلاة أخذا بالسنة المتواترة عن النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) وأهل بيته وصحبه . وسيظهر - في ثنايا البحث - أن الالتزام بالسجود على الأرض أو ما أنبتت ، كانت هي السنة بين الصحابة ، وأن العدول عنها حدث في الأزمنة المتأخرة ، ولأجل توضيح المقام نقدم أمورا :
 1 - اختلاف الفقهاء في شرائط المسجود عليه : اتفق المسلمون على وجوب السجود في الصلاة في كل ركعة مرتين ، ولم يختلفوا في المسجود له ، فإنه هو الله سبحانه الذي له يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها ( 1 ) وشعار كل مسلم قوله سبحانه : { لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ } ( 2 ) وإنما اختلفوا في شروط المسجود عليه - أعني : ما يضع الساجد جبهته عليه - فالشيعة الإمامية تشترط على أن يكون المسجود عليه أرضا أو ما ينبت منها غير مأكول ولا ملبوس كالحصر والبواري ، وما أشبه ذلك . وخالفهم في ذلك غيرهم من المذاهب ، وإليك نقل الآراء :
قال الشيخ الطوسي وهو يبين آراء الفقهاء : لا يجوز السجود إلا على الأرض أو ما أنبتته الأرض مما لا يؤكل ولا يلبس من قطن أو كتان مع الاختيار .
وخالف جميع الفقهاء في ذلك وأجازوا السجود على القطن والكتان والشعر والصوف وغير ذلك - إلى أن قال - : لا يجوز السجود على شئ هو حامل له ككور العمامة ، وطرف الرداء ، وكم القميص ، وبه قال الشافعي ، وروي ذلك عن علي - عليه الصلاة

 

( 1 ) إشارة إلى قوله سبحانه : { وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ } ، الرعد : 15 .
( 2 ) فصلت : 37 . ( * )

 
 

- ص 500 -

والسلام - وابن عمر ، وعبادة بن الصامت ، ومالك ، وأحمد بن حنبل . وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا سجد على ما هو حامل له كالثياب التي عليه أجزأه . وإن سجد على ما لا ينفصل منه مثل أن يفترش يده ويسجد عليها أجزأه لكنه مكروه ، وروي ذلك عن الحسن البصري ( 1 ) .

وقال العلامة الحلي - وهو يبين آراء الفقهاء فيما يسجد عليه - : لا يجوز السجود على ما ليس بأرض ولا من نباتها كالجلود والصوف عند علمائنا أجمع ، وأطبق الجمهور على الجواز .

وقد اقتفت الشيعة في ذلك أئمتهم الذين هم أعدال الكتاب وقرناؤه في حديث الثقلين ، ونحن نكتفي هنا بإيراد جانب مما روي في هذا الجانب : روى الصدوق بإسناده عن هشام بن الحكم أنه قال لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : أخبرني عما يجوز السجود عليه ، وعما لا يجوز قال : " السجود لا يجوز إلا على الأرض ، أو على ما أنبتت الأرض إلا ما أكل أو لبس " . فقال له : جعلت فداك ما العلة في ذلك ؟ قال : " لأن السجود خضوع لله عز وجل فلا ينبغي أن يكون على ما يؤكل ويلبس ، لأن أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون ، والساجد في سجوده في عبادة الله عز وجل ، فلا ينبغي أن يضع جبهته في سجوده على معبود أبناء الدنيا الذين اغتروا بغرورها " ( 2 ) .

فلا عتب على الشيعة إذا التزموا بالسجود على الأرض أو ما أنبتته ، إذا لم يكن

 

( 1 ) الخلاف 1 : 357 - 358 كتاب الصلاة ، المسألة 112 - 113 .
( 2 ) الوسائل 3 الباب 1 من أبواب ما يسجد عليه ، الحديث 1 ، وهناك روايات بمضمونه . والكل يتضمن أن الغاية من السجود التي هي التذلل لا تحصل بالسجود على غيرها ، فلاحظ . ( * )

 
 

- ص 501 -

مأكولا ولا ملبوسا اقتداء بأئمتهم ، على أن ما رواه أهل السنة في المقام ، يدعم نظرية الشيعة ، وسيظهر لك فيما سيأتي من سرد الأحاديث من طرقهم ، ويتضح أن السنة كانت هي السجود على الأرض ، ثم جاءت الرخصة في الحصر والبواري فقط ، ولم يثبت الترخيص الآخر بل ثبت المنع عنه كما سيوافيك .

 2 - الفرق بين المسجود له والمسجود عليه : كثيرا ما يتصور أن الالتزام بالسجود على الأرض أو ما أنبتت منها بدعة ، ويتخيل الحجر المسجود عليه وثنا ، وهؤلاء هم الذين لا يفرقون بين المسجود له ، والمسجود عليه ، ويزعمون أن الحجر أو التربة الموضوعة أمام المصلي وثنا يعبده المصلي بوضع الجبهة عليه .

ولكن لا عتب على الشيعة إذا قصر فهم المخالف ، ولم يفرق بين الأمرين ، وزعم المسجود عليه مسجودا له ، وقاس أمر الموحد بأمر المشرك بحجة المشاركة في الظاهر ، فأخذ بالصور والظواهر ، مع أن الملاك هو الأخذ بالبواطن والضمائر ، فالوثن عند الوثني معبود ومسجود له يضعه أمامه ويركع ويسجد له ، ولكن الموحد الذي يريد أن يصلي في إظهار العبودية إلى نهاية مراتبها ، يخضع لله سبحانه ويسجد له ، ويضع جبهته ووجهه على التراب والحجر والرمال والحصى ، مظهرا بذلك مساواته معها عند التقييم قائلا : أين التراب ورب الأرباب .

نعم ، الساجد على التربة غير عابد لها ، بل يتذلل إلى ربه بالسجود عليها ، ومن توهم عكس ذلك فهو من البلاهة بمكان ، وسيؤدي إلى إرباك كل المصلين والحكم بإشراكهم ، فمن يسجد على الفرش والقماش وغيره لا بد أن يكون عابدا لها على هذا المنوال ، فيا للعجب العجاب ! !

- ص 502 -

 3 - السنة في السجود في عصر الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وبعده : إن النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) وصحبه كانوا ملتزمين بالسجود على الأرض مدة لا يستهان بها ، متحملين شدة الرمضاء ، وغبار التراب ، ورطوبة الطين ، طيلة أعوام .
ولم يسجد أحد يوم ذاك على الثوب وكور العمامة ، بل ولا على الحصر والبواري والخمر ، وأقصى ما كان عندهم لرفع الأذى عن الجبهة ، هو تبريد الحصى بأكفهم ثم السجود عليها ، وقد شكا بعضهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من شدة الحر ، فلم يجبه ، إذ لم يكن له أن يبدل الأمر الإلهي من تلقاء نفسه ، إلى أن وردت الرخصة بالسجود على الخمر والحصر ، فوسع الأمر للمسلمين لكن في إطار محدود ، وعلى ضوء هذا فقد مرت في ذلك الوقت على المسلمين مرحلتان لا غير :
 1 - ما كان الواجب فيها على المسلمين السجود على الأرض بأنواعها المختلفة من التراب والرمل والحصى والطين ، ولم تكن هناك أية رخصة .

 2 - المرحلة التي ورد فيها الرخصة بالسجود على نبات الأرض من الحصى والبواري والخمر ، تسهيلا للأمر ، ورفعا للحرج والمشقة ، ولم تكن هناك أية مرحلة أخرى توسع الأمر للمسلمين أكثر من ذلك كما يدعيه البعض ، وإليك البيان :
المرحلة الأولى : السجود على الأرض :
 1 - روى الفريقان عن النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) أنه قال :" وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " ( 1 ).

 

( 1 ) صحيح البخاري 1 : 91 كتاب التيمم الحديث 2 ، سنن البيهقي 2 : 433 باب : أينما أدركتك الصلاة فصل فهو مسجد ، ورواه غيرهما من أصحاب الصحاح والسنن . ( * )

 
 

- ص 503 -

والمتبادر من الحديث أن كل جزء من الأرض مسجد وطهور يسجد عليه ويقصد للتيمم ، وعلى ذلك فالأرض تقصد للجهتين : للسجود تارة ، وللتيمم أخرى .
وأما تفسير الرواية بأن العبادة والسجود لله سبحانه لا يختص بمكان دون مكان ، بل الأرض كلها مسجد للمسلمين بخلاف غيرهم ، حيث خصوا العبادة بالبيع والكنائس ، فهذا المعنى ليس مغايرا لما ذكرناه ، فإنه إذا كانت الأرض على وجه الإطلاق مسجدا للمصلي فيكون لازمه كون الأرض كلها صالحة للعبادة ، فما ذكر معنى التزامي لما ذكرناه ، ويعرب عن كونه المراد ذكر " طهورا " بعد " مسجدا " وجعلهما مفعولين ل‍ " جعلت " والنتيجة هو توصيف الأرض بوصفين : كونها مسجدا ، وكونها طهورا ، وهذا هو الذي فهمه الجصاص وقال : إن ما جعله من الأرض مسجدا هو الذي جعله طهورا ( 1 ) . ومثله غيره من شراح الحديث .

تبريد الحصى للسجود عليها :
 2 - عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، قال : كنت أصلي مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) الظهر ، فآخذ قبضة من الحصى ، فأجعلها في كفي ثم أحولها إلى الكف الأخرى حتى تبرد ثم أضعها لجبيني ، حتى أسجد عليها من شدة الحر ( 2 ) .
وعلق عليه البيهقي بقوله : قال الشيخ : ولو جاز السجود على ثوب متصل به لكان ذلك أسهل من تبريد الحصى بالكف ووضعها للسجود ( 3 ) .
ونقول : ولو كان السجود على مطلق الثياب سواء كان متصلا أم منفصلا جائزا

 

( 1 ) أحكام القرآن للجصاص 2 : 389 ط بيروت .
( 2 ) مسند أحمد 3 : 327 عن جابر ، سنن البيهقي 1 : 439 باب ما روي في التعجيل بها في شدة الحر .
( 3 ) سنن البيهقي 2 : 105 . ( * )

 
 

- ص 504 -

لكان أسهل من تبريد الحصى ، ولأمكن حمل منديل أو ما شابه للسجود عليه .

 3 - روى أنس قال : كنا مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في شدة الحر فيأخذ أحدنا الحصباء في يده ، فإذا برد وضعه وسجد عليه ( 1 ) .

 4 - عن خباب بن الأرت قال : شكونا إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) شدة الرمضاء في جباهنا وأكفنا ، فلم يشكنا ( 2 ) . قال ابن الأثير في معنى الحديث : إنهم لما شكوا إليه ما يجدون من ذلك لم يفسح لهم أن يسجدوا على طرف ثيابهم ( 3 ) .

هذه المأثورات تعرب عن أن السنة في الصلاة كانت جارية على السجود على الأرض فقط ، حتى أن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) لم يفسح للمسلمين العدول عنها إلى الثياب المتصلة أو المنفصلة ، وهو ( صلى الله عليه وآله ) مع كونه بالمؤمنين رؤوفا رحيما أوجب عليهم مس جباههم الأرض ، وإن آذتهم شدة الحر .
والذي يعرب عن التزام المسلمين بالسجود على الأرض ، وعن إصرار النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) بوضع الجبهة عليها لا على الثياب المتصلة ككور العمامة أو المنفصلة كالمناديل والسجاجيد ، ما روي من حديث الأمر بالتتريب في غير واحد من الروايات .

الأمر بالتتريب :
 5 - عن خالد الجهني : قال : رأى النبي ( صلى الله عليه وآله ) صهيبا يسجد كأنه يتقي التراب فقال له : " ترب وجهك يا صهيب " ( 4 ) .

 

( 1 ) السنن الكبرى 2 : 106 .
( 2 ) سنن البيهقي 2 : 105 باب الكشف عن الجبهة .

( 3 ) ابن الأثير ، النهاية 2 : 497 مادة " شكا " .
( 4 ) المتقي الهندي ، كنز العمال 7 : 465 / 19810 . ( * )
 
 

- ص 505 -

 6 - والظاهر أن صهيبا كان يتقي عن التتريب بالسجود على الثوب المتصل والمنفصل ، ولا أقل بالسجود على الحصر والبواري والأحجار الصافية ، وعلى كل تقدير ، فالحديث شاهد على أفضلية السجود على التراب في مقابل السجود على الحصى ، لما دل من جواز السجدة على الحصى في مقابل السجود على غير الأرض .

 7 - روت أم سلمة - رضي الله عنها - : رأى النبي ( صلى الله عليه وآله ) غلاما لنا يقال له أفلح ينفخ إذا سجد ، فقال : " يا أفلح ترب " ( 1 ) .

 8 - وفي رواية : " يا رباح ترب وجهك " ( 2 ) .

 9 - روى أبو صالح قال : دخلت على أم سلمة ، فدخل عليها ابن أخ لها فصلى في بيتها ركعتين ، فلما سجد نفخ التراب ، فقالت أم سلمة : ابن أخي لا تنفخ ، فإني سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول لغلام له يقال له يسار - ونفخ - : " ترب وجهك لله " ( 3 ) .

الأمر بحسر العمامة عن الجبهة :
 10 - روي : أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) كان إذا سجد رفع العمامة عن جبهته ( 4 ) .

 11 - روي عن علي أمير المؤمنين أنه قال : " إذا كان أحدكم يصلي فليحسر العمامة عن وجهه " ، يعني حتى لا يسجد على كور العمامة ( 5 ) .

 12 - روي عن صالح بن حيوان السبائي : أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) رأى رجلا يسجد بجنبه وقد اعتم على جبهته فحسر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عن جبهته ( 6 ) .

 

( 1 ) المتقي الهندي ، كنز العمال 7 : 459 / 19776 .
( 2 ) المصدر نفسه / 19777 .
( 3 ) كنز العمال 7 : 465 / 19809 ، مسند أحمد 6 : 301 .
( 4 ) ابن سعد ، الطبقات الكبرى 1 : 151 كما في السجود على الأرض : 41 .
( 5 ) منتخب كنز العمال المطبوع في هامش المسند 3 : 194 .
( 6 ) البيهقي ، السنن الكبرى 2 : 105 . ( * )

 
 

- ص 506 -

 13 - عن عياض بن عبد الله القرشي : رأى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) رجلا يسجد على كور عمامته فأومأ بيده : " ارفع عمامتك " وأومأ إلى جبهته ( 1 ) .
هذه الروايات تكشف عن أنه لم يكن للمسلمين يوم ذاك تكليف إلا السجود على الأرض ، ولم يكن هناك أي رخصة سوى تبريد الحصى ، ولو كان هناك ترخيص لما فعلوا ذلك ، ولما أمر النبي ( صلى الله عليه وآله ) بالتتريب ، وحسر العمامة عن الجبهة .

المرحلة الثانية : الترخيص في السجود على الخمر والحصر :
هذه الأحاديث والمأثورات المبثوثة في الصحاح والمسانيد وسائر كتب الحديث تعرب عن التزام النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأصحابه بالسجود على الأرض بأنواعها ، وأنهم كانوا لا يعدلون عنه ، وإن صعب الأمر واشتد الحر ، لكن هناك نصوصا تعرب عن ترخيص النبي ( صلى الله عليه وآله ) - بإيحاء من الله سبحانه إليه - السجود على ما أنبتت الأرض ، فسهل لهم بذلك أمر السجود ، ورفع عنهم الإصر والمشقة في الحر والبرد ، وفيما إذا كانت الأرض مبتلة ، وإليك تلك النصوص :
 1 - عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يصلي على الخمرة ( 2 ) .

 2 - عن ابن عباس : كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يصلي على الخمرة ، وفي لفظ : وكان النبي ( صلى الله عليه وآله ) يصلي على الخمرة ( 3 ) .

 3 - عن عائشة : كان النبي ( صلى الله عليه وآله ) يصلي على الخمرة ( 4 ) .

 4 - عن أم سلمة : كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يصلي على الخمرة ( 5 ) .

 

( 1 ) البيهقي ، السنن الكبرى 2 : 105 .
( 2 ) أبو نعيم الأصفهاني ، أخبار أصبهان 2 : 141 .
( 3 ) مسند أحمد 1 : 269 ، 303 ، 309 و 358 .
( 4 ) المصدر نفسه 6 : 179 وفيه أيضا قال للجارية وهو في المسجد : ناوليني الخمرة .
( 5 ) المصدر نفسه : 302 . ( * )

 
 

- ص 507 -

 5 - عن ميمونة : ورسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يصلي على الخمرة فيسجد ( 1 ) .

 6 - عن أم سليم قالت : كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يصلي على الخمرة ( 2 ) .

 7 - عن عبد الله بن عمر : كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يصلي على الخمر ( 3 ) .

المرحلة الثالثة : السجود على الثياب لعذر :
قد عرفت المرحلتين الماضيتين ، ولو كان هناك مرحلة ثالثة فإنما مرحلة جواز السجود على غير الأرض وما ينبت منها لعذر وضرورة .
ويبدو أن هذا الترخيص جاء متأخرا عن المرحلتين لما عرفت أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) لم يجب شكوى الأصحاب من شدة الحر والرمضاء ، وراح هو وأصحابه يسجدون على الأرض متحملين الحر والأذى ، ولكن الباري عز اسمه رخص لرفع الحرج السجود على الثياب لعذر وضرورة ، وإليك ما ورد في هذا المقام .
 1 - عن أنس بن مالك : كنا إذا صلينا مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) فلم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض ، طرح ثوبه ثم سجد عليه .

 2 - وفي صحيح البخاري : كنا نصلي مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر ، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه .

 3 - وفي لفظ ثالث : كنا إذا صلينا مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر مكان السجود ( 4 ) .

وهذه الرواية التي نقلها أصحاب الصحاح والمسانيد تكشف حقيقة بعض ما روي في ذلك المجال الظاهر في جواز السجود على الثياب في حالة الاختيار أيضا .

 

( 1 ) مسند أحمد 1 : 331 - 335 .
( 2 ) المصدر نفسه : 377 .

( 3 ) المصدر نفسه 2 : 92 - 98 .  
( 4 ) صحيح البخاري 1 : 101 ، صحيح مسلم 2 : 109 ، مسند أحمد 1 : 100 ، السنن الكبرى 2 : 106 . ( * )
 

- ص 508 -

وذلك لأن رواية أنس نص في اختصاص الجواز على حالة الضرورة ، فتكون قرينة على المراد من هذه المطلقات ، وإليك بعض ما روي في هذا المجال :
 1 - عبد الله بن محرز عن أبي هريرة : كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يصلي على كور عمامته ( 1 ) .
إن هذه الرواية مع أنها معارضة لما مر من نهي النبي ( صلى الله عليه وآله ) عن السجود عليه ، محمولة على العذر والضرورة ، وقد صرح بذلك الشيخ البيهقي في سننه ، حيث قال : قال الشيخ : " وأما ما روي في ذلك عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) من السجود على كور العمامة فلا يثبت شئ من ذلك ، وأصح ما روي في ذلك قول الحسن البصري حكاية عن أصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله ) ( 2 ) .
وقد روي عن ابن راشد قال : " رأيت مكحولا يسجد على عمامته فقلت : لما تسجد عليها ؟ قال أتقي البرد على أسناني " ( 3 ) .

 2 - ما روي عن أنس : " كنا نصلي مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) فيسجد أحدنا على ثوبه " ( 4 ) .
والرواية محمولة على صورة العذر بقرينة ما رويناه عنه ، وبما رواه عنه البخاري : " كنا نصلي مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) في شدة الحر ، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن وجهه من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه " ( 5 ) .
ويؤيده ما رواه النسائي أيضا : " كنا إذا صلينا خلف النبي ( صلى الله عليه وآله ) بالظهائر سجدنا على ثيابنا اتقاء الحر " ( 6 ) .

وهناك روايات قاصرة الدلالة حيث لا تدل إلا على أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) صلى على

 

( 1 ) كنز العمال 8 : 130 / 22238 .
( 2 ) السنن الكبرى 2 : 106 .
( 3 ) المصنف لعبد الرزاق 1 : 400 كما في سيرتنا وسنتنا ، والسجدة على التربة : 93 .
( 4 ) السنن الكبرى 2 : 106 ، باب من بسط ثوبا فسجد عليه .
( 5 ) البخاري 2 : 64 كتاب الصلاة باب بسط الثوب في الصلاة للسجود .
( 6 ) ابن الأثير ، الجامع للأصول 5 : 468 / 3660 . ( * )

 
 

- ص 509 -

الفرو . وأما أنه سجد عليه فلا دلالة لها عليه .

 3 - عن المغيرة بن شعبة : كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يصلي على الحصير والفرو المدبوغة ( 1 ) .
والرواية مع كونها ضعيفة بيونس بن الحرث ، ليست ظاهرة في السجود عليه . ولا ملازمة بين الصلاة على الفرو والسجدة عليه ، ولعله ( صلى الله عليه وآله ) وضع جبهته على الأرض أو ما ينبت منها .
وعلى فرض الملازمة لا تقاوم هي وما في معناها ما سردناه من الروايات في المرحلتين الماضيتين .

حصيلة البحث : إن المتأمل في الروايات يجد وبدون لبس أن قضية السجود في الصلاة مرت بمرحلتين أو ثلاث مراحل ، ففي المرحلة الأولى كان الفرض السجود على الأرض ولم يرخص للمسلمين السجود على غيرها ، وفي الثانية جاء الترخيص فيما تنبته الأرض ، وليست وراء هاتين المرحلتين مرحلة أخرى إلا جواز السجود على الثياب لعذر وضرورة ، فما يظهر من بعض الروايات من جواز السجود على الفرو وأمثاله مطلقا فمحمولة على الضرورة ، أو لا دلالة لها على السجود عليها ، بل غايتها الصلاة عليها .

ومن هنا فإن ما يظهر بوضوح أن ما التزمت به الشيعة هو عين ما جاءت به السنة النبوية ، ولم تنحرف عنه قيد أنملة ، ولعل الفقهاء هم أدرى بذلك من غيرهم ، لأنهم الأمناء على الرسالة والأدلاء في طريق الشريعة ، ونحن ندعو إلى برهة من التأمل لإحقاق الحق وتجاوز البدع .

 

( 1 ) أبو داود ، السنن باب ما جاء في الصلاة على الخمرة / 331 . ( * )

 
 

- ص 510 -

ما هو السر في اتخاذ تربة طاهرة ؟ بقي هنا سؤال يطرحه كثيرا إخواننا أهل السنة حول سبب اتخاذ الشيعة تربة طاهرة في السفر والحضر والسجود عليها دون غيرها .
وربما يتخيل البسطاء - كما ذكرنا سابقا - أن الشيعة يسجدون لها لا عليها ، ويعبدون الحجر والتربة ، وذلك لأن هؤلاء المساكين لا يفرقون بين السجود على التربة ، والسجود لها .

وعلى أي تقدير فالإجابة عنها واضحة ، فإن المستحسن عند الشيعة هو اتخاذ تربة طاهرة طيبة ليتيقن من طهارتها ، من أي أرض أخذت ، ومن أي صقع من أرجاء العالم كانت ، وهي كلها في ذلك سواء .

وليس هذا الالتزام إلا مثل التزام المصلي بطهارة جسده وملبسه ومصلاه ، وأما سر الالتزام في اتخاذ التربة هو أن الثقة بطهارة كل أرض يحل بها ، ويتخذها مسجدا ، لا تتأتى له في كل موضع من المواضع التي يرتادها المسلم في حله وترحاله ، بل وأنى له ذلك وهذه الأماكن ترتادها أصناف مختلفة من البشر ، مسلمين كانوا أم غيرهم ، ملتزمين بأصول الطهارة أم غير ذلك ، وفي ذلك محنة كبيرة تواجه المسلم في صلاته لا يجد مناصا من أن يتخذ لنفسه تربة طاهرة يطمئن بها وبطهارتها يسجد عليها لدى صلاته حذرا من السجدة على الرجاسة والنجاسة ، والأوساخ التي لا يتقرب بها إلى الله قط ولا تجوز السنة السجود عليها ولا يقبله العقل السليم ، خصوصا بعد ورود التأكيد التام البالغ في طهارة أعضاء المصلي ولباسه والنهي عن الصلاة في مواطن منها : 1 - المزبلة ، والمجزرة ، وقارعة الطريق ، والحمام ، ومعاطن الإبل ، بل والأمر بتطهير المساجد وتطييبها ( 1 ) .
وهذه القاعدة كانت ثابتة عند السلف الصالح وإن غفل التاريخ عن نقلها ، فقد

 

( 1 ) العلامة الأميني ، سيرتنا وسنتنا : 135 ، المطبعة الحيدرية . ( * )

 
 

- ص 511 -

روي : أن التابعي الفقيه مسروق بن الأجدع ( ت 62 ه‍ ) كان يصحب في أسفاره لبنة من المدينة يسجد عليها . كما أخرجه ابن أبي شيبة في كتابه المصنف ، باب من كان حمل في السفينة شيئا يسجد عليه . فأخرج بإسنادين أن مسروقا كان إذا سافر حمل معه في السفينة لبنة يسجد عليها ( 1 ) .

إلى هنا تبين أن التزام الشيعة باتخاذ التربة مسجدا ليس إلا تسهيل الأمر للمصلي في سفره وحضره خوفا من أن لا يجد أرضا طاهرة أو حصيرا طاهرا فيصعب الأمر عليه ، وهذا كادخار المسلم تربة طاهرة لغاية التيمم عليها .

وأما السر في التزام الشيعة استحبابا بالسجود على التربة الحسينية ، فإن من الأغراض العالية والمقاصد السامية منها ، أن يتذكر المصلي حين يضع جبهته على تلك التربة ، تضحية ذلك الإمام بنفسه وأهل بيته والصفوة من أصحابه في سبيل العقيدة والمبدأ ومقارعة الجور والفساد . ولما كان السجود أعظم أركان الصلاة ، وفي الحديث " أقرب ما يكون العبد إلى ربه حال سجوده " فيناسب أن يتذكر بوضع جبهته على تلك التربة الزاكية ، أولئك الذين جعلوا أجسامهم ضحايا للحق ، وارتفعت أرواحهم إلى الملأ الأعلى ، ليخشع ويخضع ويتلازم الوضع والرفع ، وتحتقر هذه الدنيا الزائفة ، وزخارفها الزائلة ، ولعل هذا هو المقصود من أن السجود عليها يخرق الحجب السبع كما في الخبر ، فيكون حينئذ في السجود سر الصعود والعروج من التراب إلى رب الأرباب ( 2 ) .

وقال العلامة الأميني : نحن نتخذ من تربة كربلاء قطعا لمعا ، وأقراصا نسجد عليها كما كان فقيه السلف مسروق بن الأجدع يحمل معه لبنة من تربة المدينة المنورة يسجد عليها ، والرجل تلميذ الخلافة الراشدة ، فقيه المدينة ، ومعلم السنة

 

( 1 ) أبو بكر بن أبي شيبة ، المصنف 1 : 400 كما في السجدة على التربة : 93 . ( 2 ) الأرض والتربة الحسينية : 24 . ( * )

 
 

- ص 512 -

بها ، وحاشاه من البدعة .
فليس في ذلك أي حزازة وتعسف أو شئ يضاد نداء القرآن الكريم أو يخالف سنة الله وسنة رسوله ( صلى الله عليه وآله ) أو خروج من حكم العقل والاعتبار .

وليس اتخاذ تربة كربلاء مسجدا لدى الشيعة من الفرض المحتم ، ولا من واجب الشرع والدين ، ولا مما ألزمه المذهب ، ولا يفرق أي أحد منهم منذ أول يومها بينها وبين غيرها من تراب جميع الأرض في جواز السجود عليها خلاف ما يزعمه الجاهل بهم وبآرائهم ، وإن هو عندهم إلا استحسان عقلي ليس إلا ، واختيارا لما هو الأولى بالسجود لدى العقل والمنطق والاعتبار فحسب كما سمعت ، وكثير من رجال المذهب يتخذون معهم في أسفارهم غير تربة كربلاء مما يصح السجود عليه كحصير طاهر نظيف يوثق بطهارته أو خمرة مثله ويسجدون عليه في صلواتهم ( 1 ) .

هذا إلمام إجمالي بهذه المسألة الفقهية والتفصيل موكول إلى محله ، وقد أغنانا عن ذلك ما سطره أعلام العصر وأكابره ، وأخص بالذكر منهم .
 1 - المصلح الكبير الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ( 1295 - 1373 ه‍ ) في كتابه " الأرض والتربة الحسينية " .
 2 - العلامة الكبير الشيخ عبد الحسين الأميني مؤلف الغدير ( 1320 - 1390 ه‍ ) فقد دون رسالة في هذا الموضوع طبعت في آخر كتابه " سيرتنا وسنتنا " .
 3 - السجود على الأرض للعلامة الشيخ علي الأحمدي - دام عزه - فقد أجاد في التتبع والتحقيق .

وما ذكرنا في هذه المسألة اقتباس من أنوار علومهم . رحم الله الماضين من علمائنا وحفظ الله الباقين منهم .

 

( 1 ) العلامة الأميني ، سيرتنا وسنتنا : 142 ، المطبعة الحيدرية . ( * )


 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net