تلميحات للبداء في الذكر الحكيم :
- قال سبحانه : { فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ } ( 2 ) .
|
( 2 ) الصافات : 101 - 102 . ( * ) |
| |
أخبر إبراهيم ( عليه السلام ) ولده إسماعيل ( عليه السلام ) بأنه رأى في المنام أنه يذبحه ، ورؤيا الأنبياء ( كما ورد في الحديث ) من أقسام الوحي ، فكانت رؤياه صادقة حاكية عن حقيقة ثابتة ، وهي أمر الله إبراهيم بذبح ولده ، وقد تحقق ذلك الأمر ، أي أمر الله سبحانه به .
ولكن قوله : { إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ } يكشف عن أمرين : أولا : الأمر بذبح الولد أمر تشريعي كما عرفت وقد تحقق .
ثانيا : الحكاية عن تحقق ذلك في الواقع الخارجي وأن إبراهيم سيمتثل ذلك ، والحال أنه لم يتحقق لفقدان شرطه وهو عدم النسخ ، ويحكي عن كلا الأمرين قوله : { وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ } . وعندئذ يطرح هذا السؤال نفسه : بأنه كيف أخبر خليل الرحمن بشئ من الملاحم والمغيبات ، ثم لم يتحقق ؟ والجواب عن هذا السؤال يكمن في الأمر الذي أشرنا إليه سابقا وهو أن إبراهيم ( عليه السلام ) وقف على المقتضى فأخبر بالمقتضي ، ولكنه لم يقف على ما هو العلة التامة ، وليس لعلمه هذا مصدر سوى اتصاله بلوح المحو والإثبات .
2 - وأما يونس ( عليه السلام ) فإنه أنذر قومه بأنهم إن لم يؤمنوا فسوف يصيبهم العذاب إلى ثلاثة أيام ( 1 ) وما كان قوله تخرص أو تخويف ، بل كان يخبر عن حقيقة يعلم بها ، إلا أن هذا الأمر لم يقع كما هو معروف ، وفي هذا إشارة واضحة إلى أنه ( عليه السلام ) وقف على المقتضي ولم يقف على المانع ، وهو أن القوم سيتوبون عند رؤية العذاب توبة صادقة يعلمها الله تعالى ترفع عنهم العذاب الذي وعدوا به ، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه : { فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ } ( 2 ).
|
( 1 ) الطبرسي ، مجمع البيان 3 : 135 . |
( 2 ) يونس : 98 . ( * ) |
| |
3 - أخبر موسى قومه بأنه سيغيب عنهم ثلاثين ليلة ، كما روي عن ابن عباس حيث قال : إن موسى قال لقومه : إن ربي وعدني ثلاثين ليلة أن ألقاه وأخلف هارون فيكم ، فلما فصل موسى إلى ربه زاده الله عشرا ، فكانت فتنتهم في العشر التي زاده الله ( 1 ) . وإلى هذا الأمر يشير قوله سبحانه : { وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ } ( 2 ) .
فلا شك أن موسى أطلع على الخبر الأول ولم يطلع على نسخه ، وأن التوقيت سيزيد ، ولا مصدر لعلمه إلا الاتصال بلوح المحو والإثبات .
هذه جملة الأخبار التي تحدث بها الذكر الحكيم عن أحداث ووقائع كان النبيون ( عليهم السلام ) قد أخبروا بحتمية وقوعها على حد علمهم ، إلا أنها لم تتحقق ، وعندها لا مناص من تفسيرها بوقوف أنبياء الله تعالى على المقتضي دون العلة التامة .
فعندما يظهر عدم التحقق يطلق عليه البداء ، والمراد به أنه بدا من الله لنبيه وللناس ما خفي عليهم ، على غرار قوله سبحانه : { وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ } ( 3 ) فالبداء إذا نسب إلى الله سبحانه فهو بداء منه ، وإذا نسب إلى الناس فهو بداء لهم .
وبعبارة أخرى : البداء من الله هو إظهار ما خفي على الناس ، والبداء من الناس بمعنى ظهور ما خفي لهم ، وهذا هو الحق الصراح الذي لا يرتاب فيه أحد .
|
( 1 ) الطبرسي ، مجمع البيان 2 : 115 . |
( 2 ) الأعراف : 142 . |
( 3 ) الزمر : 47 . ( * ) | |
|